17‏/4‏/2015

الموتى لا يحلمون أبدا



كانت هنالك جلبة كبيرة، أصوات متداخلة، ووقع أقدام. أقدام كبيرة مسرعة. بعضها يعدو. وبعضها يقفز.
وسمعت صوتا يقول لي اركض. احترت. إلى أين يمكنني الذهاب. تحسست ساقي. ولسعادتي وجدت أن الجبيرة التي كانت تغلفهما قد زالت.
وتساءلت إن كان الصوت الذي سمعته هو صوت أمي. تلفت حولي. لاشيء. هدوء يغلف المكان. كل شيء مرتب. كل شيء في مكانه. مسدسي في مكانه. وأنا في مكاني. لا أثر للأقدام في الغرفة ذات الزوايا المتقاربة. لا شيء البتة.
غير أن الأصوات المتداخلة كأغصان شجرة اللبلاب كانت تحيط بي من كل جانب. ونفس الصوت الملح يدعوني للركض.
-         اركض
-         إلى أين؟ همست.
صمت الصوت قليلا. ثم عاد ليقول:
-         اركض
نطقها بنبرة زاجرة هذه المرة. خفت. انكمشت على نفسي. تحسست جسمي. كل شيء في مكانه. تقريبا. بقايا أوجاع بعيدة. وكأن أحدهم ضربني بشدة قبل أن يتركني وشأني ويمضي بعيدا.
كل شيء صامت عدا هذه الضجة التي تخرج من جحيم رأسي. سؤال ملح يطرح علي نفسه. لماذا أهرب. أنا سعيد هنا.
غير أن الصوت أجاب تساؤلاتي الصامتة بنفس اللهجة الآمرة:
-         اركض
-         لماذا أركض؟
الأصوات من حولي تتداخل لتصنع صدى الأقدام الكبيرة الراكضة.
**
-         هل تعتقد أننا سنصدق حكايتك؟
قال لي أحدهم وهو يشعل سيجارة من عقب أخرى.
-         هل تريد واحدة؟
قدم لي سيجارته فأخذتها بيد مرتعشة. نظرت إلى يدي. هل هذه يدي؟ أين أنا؟
أشعل لنفسه واحدة جديدة. نفث دخانها في وجهي. تابع نظراتي وقال:
-         لماذا قتلتها؟
**
-         اركض
-         اركض
-         اركض
مئات الأصوات تصرخ بي أن أركض. أتحسس الجبيرة التي كانت تلف ساقي. وأتساءل من نزعها. متى استرجعت عافيتي؟ هل استرجعتها. تحسست مسدسي. كان دافئا. سرق ما بقي من حرارة جسمي. كل الأصوات تشبه صوتها. لست أحلم. أعرف ذلك. منذ أن مت لم أعد أحلم مطلقا.
وقع الأقدام الراكضة يقترب مني. أفتح عيني. يحتفظ المكان ببعض النور الخافت. لا أرى شيئا في ما حولي. كل الأشياء تحتفظ بنسقها العادي. قلبي كعادته لا يدق. أصابعي تحسس صدري. تغوص فيه. تستخرج القلب تضغط عليه بشدة. لا يرف. كل شيء عادي إذن. يعود الصوت ليقول لي اركض. فأصرخ لماذا؟ لا يجيبني ذلك الصوت الذي يشبه صوتها.
-         اركض
تصرخ الأصوات بي. تصرخ أقوى فأقوى. تصرخ داخل رأسي.
**
-         اسمك؟
صرنا خمسة في الغرفة التي احتدمت برائحة التبغ والجوارب القديمة. أستغرق في صوت آلة الرقن التي تقتنص أحرفي.
-         لا أدري
-         سجل ماهر عبد الرحمان. قال الرجل الذي يقف ورائي.
آلام حادة في رقبتي تمنعني من الالتفات.
-         سنك؟
-          لا أدري
-         مهنتك؟
-         لا أدري
-         سجل أنه شرطي. ثم قال: ولا تعرف طبعا أنك مورط في جرائم قتل.
-         إنه يدعي الجنون. قال الذي يواجهني تماما. وبصق قرب حذائه.
-         وطبعا أنت مصر على حكاية أنك ميت. قال رجل آخر لا أذكر أنني سمعت صوته من قبل وضحك بصوت مرتفع.
**
وقع الأقدام يمزق مسامعي. وقع أقدام تركض في اتجاهات عديدة.
-         اركض
-         اركض
نهضت. نهضت بصعوبة. الأصوات تلتف بي. تدوس على رأسي بأقدامها الراكضة. تتغلغل في داخلي المثقوب.
-         اركض وغير شكل العالم.
-         اركض وغير شكل العالم.
-         اركض وغير شكل العالم.
-         اركض وغير شكل العالم.
-         اركض وغير شكل العالم.
نفس الصوت المكرر. صوتها. لماذا أركض؟ درت في الغرفة أبحث عن مصدر للصوت. عن مصدر لبعض الضوء. الأصوات تحتد أكثر فأكثر. خطواتي أصبحت تشبه الأقدام الراكضة. لا أصدق أنني أجري داخل الغرفة. لا أصدق ما أسمع. لا أصدق أن ذلك يحدث حقا. فأنا رجل ميت.
-         مسدسك. قال لي الصوت.
ارتعبت قليلا. فقد تعودت على أمره لي بالركض. توقفت قليلا فصرخ بي.
-         اركض وغير شكل العالم بمسدسك.
بدا لي الصوت قريبا جدا هذه المرة. وكأنه يخرج من حنجرتي. لم أكن أحلم. ليست تلك هلوسات فأنا ميت والموتى لا يتناولون الحشيش. فهل أنا مجنون؟ لا يهم إن كنت مجنونا فأنا ميت على كل حال. والموتى متشابهون. غير أنني لا أكف عن سماع هذه الأصوات التي تحيط بي من داخلي.
درت في الغرفة المربعة ذات الزوايا المتقاربة. درت أبحث عن الصوت. غير أنه كان يخرج من رأسي. وقع الأقدام في مسامعي يقترب مني في كل لحظة. نور الغرفة المعتمة لا يتيح لي رؤية أي شيء غير معتاد.
**
-         لماذا أخرجت قلبها من صدرها بعد أن قتلتها؟
نقر أصابع الرجل على الآلة الراقنة كان متسارعا. لو كنت حيا وفي موقف كهذا لقلت بأنه يشبه دقات قلبي.
كان يحدثني وكأنه يحدث نفسه أو أوراقه. لا شيء مني يعنيه ولا أسئلته تهتم بإيجاد إجابة عندي. كان يسألني ويجيب عني. كان وكأنه أنا. غير أنني ميت وهو حي أو مازال منه شيء على قيد الحياة. أم لعلني الحي وهو الميت.
لا أدري بالضبط أين أنا. من الواضح أنه مركز للشرطة. غير أنه بدا لي وكأنه مقهى مهجور أو مدرسة مات كل من فيها من تلاميذ ومعلمين. أحاول ربط الأشياء في ما بينها غير أنها تستعصي على المنطق. منطق الأحياء. أتساءل متى ستتم محاكمتي. غير أنه يحز في نفسي أنني لم أعرف جريمتي بعد.
-         لا تخف، يجيبني وكأنه قابع في أفكاري، سنعرف كل شيء بطرقنا. أعقب قوله بصمت. ثم انفجر الجميع ضاجين بالضحك. احترت إن كان علي أن أجاريهم في الضحك أم لا. غير أن عقب السيجارة الملتصق بشفتي ذكرني أنه لم يعد لي فم. وهل ذلك مهم. الموتى لا يحتاجون لفم للتعبير عن انبساطهم. تكفيهم أعقاب السجائر.
**
-         اركض وغير شكل العالم بمسدسك.
 تضغط الكلمات الواضحة الآمرة على أصابعي فينطلق الرصاص من مسدسي. كان لا يزال دافئا. بدا أكثر الأشياء وضوحا في عتمة الغرفة. ركضت في الغرفة المربعة الضيقة ذات الجدران المثقوبة المتقاربة. ركضت. ركضت. ركضت. وركضت معي الأصوات. أطلقت الرصاص عليها. أطلقت الرصاص على هذه الأصوات التي تشبه صوتها. أطلقت الرصاص في كل اتجاه.
لم أنتحر كما هو متوقع في مشهد كهذا. فقد كنت ميتا منذ مدة. وكان الدود يطل برأسه من كل جسدي. كان الرصاص عبارة عن كرات من الدم المتعفن. عن لفافات من الدود الأبيض الدقيق. عن قيح متخثر. عن ضحكات مجنونة. رصاصات من الموت في كل اتجاه. غير أن الأصوات لم تصمت. فكرت أنه من الممكن أن تكون أصوات الموت هي التي تصيح وتصدر الأوامر في داخلي.
طيلة ذلك الوقت لم أكن خائفا. الموتى لا يخافون. الضجة لم تخفني. وسعادتي باستعادة حرية السير بأقدامي لم تكن توصف. غير أن الصمت عم كل شيء. وكأن نصلا مزق المشهد إربا. طعنه في صدره. استخرج قلبه. ورمى الرأس بعيدا. وحين عم الصمت، تلفت حولي.
كل ما يحيط بي عادي وفي مكانه. كل شيء مرتب. لا أثر لشيء آخر في الغرفة غيري. وغير رائحة التبغ. لم أكن أحلم. فالموتى لا يحلمون. غير أن صوت آلة الرقن أخذ مكان أصوات الركض. وأصابع الرجل تركض فوق أزرار آلة الرقن. تلتهم صمتي.
**
-         ألم يكفك اغتصابها؟ قال صوت بلكنة غريبة.
-         لماذا قتلتها ومثلت بجثتها؟ قال صوت آخر.
لم أكن متأكدا من أن الحديث موجه لي. صمت قليلا. ثم قلت
-         إنها أمي.
أردت أن أواصل الكلام. وددت أن أقول أن صوتا يشبه صوتها الذي لا أعرفه جعلني أفيق من سباتي وأركض. غير أن لغطا وأصواتا متداخلة كأغصان شجرة اللبلاب أو كأسلاك شائكة غطت على صوتي.
-         لقد اعترف.
-         أخيرا اعترف النذل الحقير الجبان.
-         كنت واثقا من أنه سينهار. لقد هزمناه. انتصرنا على ادعاءاته فقدان الذاكرة والجنون.
-         اللعين. يستغل مهنته. وكل امرأة يلتقيها يغتصبها ويقتلها ليخرج قلبها من جسدها ثم يدعي أنها أمه.
-         الإعدام قليل عليه.
**
تداخلت الأصوات. تداخلت وتشابكت. لم أتوقف عن الركض في الغرفة وإطلاق النار. كل الأصوات تشبه صوت أمي. لم أقتل أحدا. فأنا ميت منذ زمن. ولا يحق لأحد أن يحاكم ميتا مهما كانت تهمته. ما زلت أركض في الغرفة. وتركض معي الأصوات.
-         قف
عاد الصوت ينقر مسامعي من جديد. صوت دافئ. قادم من بعيد. يشبه شمس أمي. غير أنني لم أعد أستطيع الوقوف.
-         قف
صرخ الصوت من جديد. غير أن صراخي غطى صوته القادم من أعماقي. لن أقف بعد الآن فقد وجدت ساقي. أسمع أقدامي تركض في الغرفة التي أخذت في التأرجح بين الضيق والاتساع.
-         قف. إني آمرك.
لم أقف. فقدت القدرة على التوقف. الموتى لا يهتمون أبدا بإشارات خفض السرعة. لن أقف لأن لعبة الركض وإطلاق النار تناسبني. رغم أنني اكتشفتها متأخرا. كعادتي.
**
-         قف، سنتلوا عليك أمر إيقافك لتمضي عليه. أنت موقوف بتهمة اغتصاب وقتل وتمثيل بجثة امرأة.
لم أقف. كان الأمر أشبه بحلم. غير أنني واثق من أنني لا أحلم. فأنا رجل ميت منذ سبعة وخمسين عاما. لم أقف. كان الأمر أشبه تماما بفصل من مسرحية سريالية. وكنت طول عمري رجل نظام أكره فن العبث. لم أقف. ربما أكون فعلا قد قتلت. لكن الأموات لا يحاكمون على جرائمهم. يكفيهم موتهم. ثم إنني أكره النساء. المرأة الوحيدة التي عرفتها كانت أمي. وقد ماتت وهي تلدني. فكيف أقتلها وهي ميتة مثلي.
**
كانت هنالك جلبة كبيرة، أصوات متداخلة. أزرار آلة الرقن لا تتوقف. ووقع أقدام. أقدام كبيرة مسرعة. بعضها يعدو. وبعضها يقفز.
وسمعت صوتا يشبه العواء يقول لي قف. احترت. كيف يمكنني الوقوف. تحسست ساقي. لم تكونا في مكانهما. وأجابني نفس الوجع المضني الذي لم أتعود عليه إلى الآن رغم أنني ميت.
وتساءلت إن كان الصوت الذي سمعته هو صوت أمي. تلفت حولي. لاشيء. هدوء يغلف المكان. كل شيء مرتب. كل شيء في مكانه. مسدسي في مكانه. وأنا في مكاني. أقدامي بعيدة عني أميالا كثيرة. ولا أثر للأقدام في الغرفة ذات الزوايا المتقاربة. كل الرؤوس التي كانت تطل علي لم تعد موجودة. لا شيء البتة.
غير أن الأصوات المتداخلة كالأسلاك الشائكة فوق قبري كانت تحيط بي من كل جانب. ونفس الصوت الملح يدعوني للوقوف.
-         قف
-         كيف أقف؟ همست.
صمت الصوت قليلا. ثم عاد ليقول:
-         قف
نطقها بنبرة زاجرة هذه المرة. خفت. انكمشت على نفسي. تحسست جسمي. كل شيء في مكانه. تقريبا. بقايا أوجاع بعيدة. وكأن أحدهم ضربني بشدة قبل أن يتركني وشأني ويمضي بعيدا. قبل أن يتركني أشلاء بلا حياة.
كل شيء صامت عدا هذه الضجة التي تخرج من جحيم رأسي. سؤال ملح يطرح علي نفسه. لماذا يحدث لي ذلك مرة أخرى حتى وأنا ميت.
غير أن الصوت أجاب تساؤلاتي الصامتة بنفس اللهجة الآمرة:
-         لست ميتا
-         هل أنا حي؟
لم تجبني الأصوات هذه المرة. حافظت على ضجتها وتداخلت لتصنع صدى الأقدام الكبيرة الراكضة. وتمنيت في ما يتمناه الميت لو كانت ساقي معي.
-         لست ميتا صرخت بي الأصوات.
-         بل أنا ميت. همست
صمت الصوت قليلا. ثم عاد ليقول:
-         لست بميت
نطقها بنبرة حزينة هذه المرة. خفت. انكمشت على نفسي. تحسست جسمي. كل شيء في مكانه. تقريبا. بقايا أوجاع بعيدة. وكأن أحدهم ضربني بشدة قبل أن يتركني وشأني ويمضي بعيدا. فهل أصدق أنني لست بميت.
-         لست ميتا عادت الأصوات تصرخ بي من جديد.
-         انهض.
-         اركض.
-         غير شكل العالم بأظافرك.
-         بمخالبك.
-         بأسنانك.
-         بمشط شعرك.
-         بمسدسك.
-         انهض فأنت ميت لا محالة.
الأصوات تحيط بي من كل جانب. تخرج من عمقي. من قاع قاعي. لم أنهض. أعرف أن ذلك ليس حلما. أعرف أنني ميت. وأعرف كل تاريخي الذي لم يبدأ بعد. عادت الجلبة الكبيرة، الأصوات المتداخلة، ووقع الأقدام. أقدام كبيرة مسرعة. بعضها يعدو. وبعضها يقفز. وسمعت صوتا يقول لي مت. مت الآن. فتساءلت إن كنت لم أمت بعد. تحسست جسمي. كانت باردا. أبرد من المعتاد.
وتساءلت إن كان الصوت الذي سمعته هو صوت أمي. تلفت حولي. لاشيء. هدوء يغلف المكان. كل شيء مرتب. كل شيء في مكانه. مسدسي في مكانه. وأنا في مكاني. لا أثر للأقدام في الغرفة الضيقة ذات الزوايا المتقاربة. لا شيء البتة. سوى جثتي ترعاها الديدان.
تونس في 24 أفريل 2005
(قصة قديمة نشرتها سابقا في موقع القصة العربية)

10‏/4‏/2015

ظلّ على الجسر

عندما رفعت بصرها إلى السماء المتدلّية، بدت لها الشمس كرة ضخمة من الزبدة المائعة وهي توشك أن تذوب.
ودّت لو أنّ لديها متسعا من حياة لتتعلّم رقصة التانغو أو لغة جديدة، لعلّها تحظى برقصة أخيرة مع غريب يعترضها عند الجسر، قبل أن تتحوّل إلى كائن رخو يختفي بميوعة عند خطّ الأفق الدامي، حيث يتقاطع الظلّ مع ظلّه، ويشهق القطار على السكّة الحديدية كامرأة تنتحب.
ودّت لو أنّ لديها متّسعا من لغة لتوجد كلمات تحدّث بها ذلك الغريب الذي يلتحف بظلّ شجرة من دون مفردات.
تمعنّت في الأشعّة التي تغطي السماء متموّجة كخصلات قشّ. وفكّرت بأن الأوان قد فات قبل أن يولد العشق، أو توجد البهجة.
ومن دون حزن، تهيّأت للقائه بما يستحقّه من حفاوة. فقد أخبرها - صادقا - بأنه سيأتي إلى الجسر، في موعده تماما، وحين تلتقي نظراتهما لن تكون سعيدة. فهو لا يأتي عادة بالخلاص. وإنما، بعد أن تنظر إليه، ستختفي عينها اليمنى في حفرة عميقة، وعندما تمعن النظر إليه بعينها الأخرى يكون الموت قد ابتلعها كليا ليحيلها إلى طين وعجين قديم.
قبل أن تغادر في اتجاه الجسر، تركت النافذة مفتوحة وأوصت ظلّها بألا يبكي عليها لأنها ستتدبّر أمرها بمفردها - لطالما فعلت ذلك وبرعت فيه - وهي التي تعلّمت أن تفقد الأشياء تباعا.
خلعت كلّ ما غلّفها من ضوء ولون واحتفظت فقط بالأصفر. ولم تنس أن تدهن مفاصل البوابة كي لا تصدر صريرا.
ثم خرجت إلى موعدها.
في الحديقة توقّفت هنيهة لتستند على جذع الرجل الشجرة. ذاك الغريب الذي حدّثها دون كلمات، وراقصها خارج الإيقاع، واصطاد من أجلها سمك البهجة بزورقه الصغير، قبل أن تسكن الفراشات جسمه النحيل. داعبت أغصانه التي كانت يدا تجيد استعمال الزبدة لصنع كعكة البهجة في مطبخ الرغبة، وشفة تبرع في نطق القبل بلا كلمات. قبّلت ثآليل الغصون وحلمات البراعم، وداعبت أورام الجذع المتعفّن، وارتشفت كأسا أخيرة من القيح الأصفر اللزج كجزء من طقوس الوداع. ثم تأمّلت للحظات رؤوس زهرة عبّاد الشمس وهي تصطاد فراشات اللون بهدوء خاشع.
رمت المشهد برمّته ورائها، فارتطم بسماء متغضّنة تقطر زيتا ودهونا.
ثم اتجهت صوب الجسر، يسبقها لون الشجر العالي وهو يمتد ويطول ممتصّا رحيق الإسفلت الملبّد بالتراب والحصى. ومع آخر شجرة شهقت على الطريق، ذاب الظلّ تماما وسال قطرات دامية على الغروب.
رأتهما من بعيد، كانا يمشيان في الطريق الطويل بمحاذاة السكّة الحديدية، عندما مرّ قربهما القطار، وقد عكس الضوء الدامي أشباح المسافرين على زجاج نوافذه الموصدة. وتابعت للحظات مشهد تقدّمهما بخطوات منهكة قبل أن يستندا على حافة الجسر. بدا لها بأنّ أحدهما على وشك الصراخ، فيما كانت موجات دائرية بلون الغروب الدامي ترسم غضونا على وجه الآخر. كان المشهد مألوفا بالنسبة إليها، أو لعلّها عاشته في حياة سابقة. لذلك واصلت طريقها بما يليق بها من هدوء، طرق سمعها صدى بعض من حكايتهما الهامسة. كانت تعرفها. وكانت عن صرخة وقطار وأشلاء.
وعندما رفعت رأسها نحو السماء كانت الشمس قد ذابت تماما وتشابكت مع ألوان الغسق.
وصلت إلى آخر نقطة في الجسر حيث كان ينتظرها هناك.
توقّعت أن تجده معلقا من قدميه إلى سقف ما. تصوّرت أن يكون له جناحان مثل خفاّش، وأن يكون له وجه قرد بارز الأنياب، وأن يتدلى لسانه مثل أفعى مكسوة بالريش. خمّنت أن يكون جسمه الأسود مرقطا بالأبيض ويكسوه الزغب. وأن يخرج الثلج من مؤخرته المكشوفة كلّما حرّك ذيله الطويل، فقد قرأت ذلك في مكان ما.
لكنّ شكله كان مّألوفا لديها.
كان أكثر من مألوف.
كان ظلّها ذاك الذي تركته خلفها قبل أن تهرع إلى طقسها الأخير.
خانها ظلّها.
تبادلا النظرات، وقبل أن تلوم، أو تعاتب، أو تحتجّ، نفّذ وعده. تماما مثلما أخبرها سابقا.
اختفت عينها اليمنى داخل حفرة عميقة من طين لزج. وعندما همّت بالنظر إليه بعينها الأخرى، كانت قد هوت على السكّة الحديد التي يتقاطع ظلّها مع ظلّها.
وقبل أن يرسم الضوء دائرة من دماء، كانت صرختها تدوي من قاع حفرة من عجين قديم.
روضة السالمي
تونس، أفريل 2015
مجموعة قصصية نساء صغيرات مذعورات