15‏/5‏/2013

لكي تعيش طويلا وسعيدا - نصائح زوجية مجرّبة

نصيحة لكلّ رجل يريد أن يعيش طويلا وسعيدا، اتبع الطريقة التالية، فقد نفّذها زوجي وهي ما تنفكّ تثبت نجاعتها منذ عشر سنين:
- إن كنت ممّن لهم صبر على الدراسة، سجّل نفسك في أي دورة تدريبية، أو ماجستير، أو بحث، فلن تجرأ زوجتك على مقاطعتك وأنت منكب على الكتب والمراجع، حتى وإن فشلت في إتمام دورة فليس ذلك بمهمّ، عذرك أن صراخ الأطفال يزعجك ويمنع عنك التركيز، ولتعويض ما فاتك سجّل في دورات جديدة، زوجتك المصون لا يرضيها طبعا أن تكون حجر عثرة أمام تحقيق طموحك العلمي اللامتناهي،
- اشغل نفسك بمتابعة البرمجيات الالكترونية الحديثة، قم بتنزيلها وتجربتها، فهذه البرمجيات لا تنتهي، كما أنها تأخذ وقتا طويلا لتتعلّمها أو لتحذفها من جهاز الكمبيوتر، زوجتك طبعا لا يرضيها أن تكون سببا في ظهورك بمظهر المتخلف التقني أمام زملائك، وغير المواكب للتحديثات،
- قم ببحث طويل عن موضوع ما، في أي مجال كان، ابحث عنه في الكتب والمراجع والمجلات، والانترنات، فالمواضيع لا تنتهي، وبهذا الشكل تضمن خلوة لا متناهية مع نفسك وكتبك وجهاز الكمبيوتر، زوجتك لن يرضيها أن تكون غير مثقف وغير ملمّ بكلّ أحداث الساعة، أو اللحظات الحاسمة في تاريخ البشرية، ستكون فخورة بك عند الاجتماعات العائلية، وستسعد عند إفحامك لخصومك وقهرهم بالمعلومة المؤكدة المقترنة بالدلائل والقرائن التي لا تدحض،
- لا تلتقي بأصحابك في المقهى، بل استعمل السكايب أو المواقع الاجتماعية، ومن الضروري أن تعرف زوجتك أنّ أصحابك لا يهتموّن إلا بالعلم والبحث والثقافة، وطبعا هي لن تقاطعك بل ستعدّ لك القهوة متى تطلبها، وستعطيك دواء أوجاع الرأس وربما ستدلك رقبتك لأن البحث شاق ومضني،
- لا تحدّثها سوى عن طموحك في المعرفة وتوقك إلى الفهم، حدّثها عن معادلات رياضية صعبة، أو توازنات اقتصادية عالمية معقّدة، عن وقائع تاريخية ضاربة في القدم، لن تجرأ على مقاطعتك أو فتح فمها للحديث في أشياء تافهة تنزل بمستوى النقاش إلى حديث العامة،
ما ستربحه هو الآتي:
- لن يسع زوجتك إلا التعبير عن احترامها وتقديرها لشخصك - رغم إحساسها بالقهر في داخلها – ولكن ذلك غير مهم فهي لن تجرأ أبدا على الوقوف حجر عثرة أمام موهبة علمية فّذة تحاول إثبات نفسها،
- ستستريح من طلباتها المتكرّرة بمساعدتها في أعباء البيت من شراء بقالة، أو رعاية بالأبناء، أو الاهتمام بكلّ المسائل التافهة الأخرى من قبيل الاتصال بالسمكري، أو الطبيب، أو الميكانيكي، أو التصرّف في ميزانية البيت،
- ستعيش طويلا وسعيدا ولن يصيبك الزهايمر، ويمكنك بعد أن تنتهي من كلّ معارف الأرض أن تتزوّج شابة تعيد إليك صباك، بعد أن يكون الأولاد قد كبروا، وتوفيّت زوجتك بالسكري وضغط الدم أو الجلطة.
روضة السالمي، من مجموعة "أريكة الزوجية" ، تونس 15 ماي 2013

2‏/4‏/2013

كيف أصبحت بدينة

كيف أصبحت بدينة فتحت الانترنات فانهالت عليّ كميات كبيرة من الطماطم. تلك الثمرة الحمراء العجيبة. التي تختزن في داخلها أسرارا من اللذة اللامتناهية. كان من أرسلها شخصا عزيزا على قلبي. فقرّرت أن أستفيد من هديته الرائعة العجيبة قبل أن يصيبها العطن. وطبعا فكّرت في الكمّ الهائل من الوصفات اللذيذة التي يمكنني تنفيذها بفضل هديتي النفيسة.
لم تبخل عليّ مناطق حوض البحر الأبيض المتوسّط بوصفاتها. فرحلت أنهل منها بكلّ سعادة. تخيّل نفسك ملكا متوجا على شعب من طماطم. ستجعل بعضه صلصة، والآخر عصيرا، ومرقا، وسلطة، وكلّ ما تتخيّله معدتك المستنفرة لتجرّب كلّ الوصفات المتاحة على الانترنات.
في البداية بحثت عن وصفات فرنسية. اعتقادا بأن المطبخ الفرنسي الراقي سيوفي الطماطم حقّها. غير أنّ ما نفذته من وصفات – مع كلّ التغييرات التي أحدثتها عليها، بسبب عدم توفّر بعض المكوّنات، وتعويضها بمكوّنات أخرى – لم يرضي نهمي للطماطم. ومع المطبخ الفرنسي جرّبت الطماطم المحشوة (Tomates farcies) باللحم المهروس والأرز، وجرّبتها بالجبنة البيضاء والبيض، وجرّبتها بالبطاطا والبقدونس. وجرّبتها باللحم المهروس ورقائق اللوز، وجرّبتها بمزج كلّ الوصفات معا. وكانت النتيجة أولّ كيلو غرام فائض عن الحاجة يسكن كيس جسدي.
في الواقع ذلك الفيض من الدهون، إنما هو خلاصة محبّة الطماطم المحشوة، الممزوجة بالبهارات، والمطبوخة بحبّ وعناية في الفرن، أو المقلية في الزيت والزبدة، أو المسلوقة على قدر من حساء الخضر. لذلك فأنا في هذه المرحلة الحالية لا أعير هذه الزيادة اهتماما كبيرا.
ولكّن المطبخ الفرنسي، رغم روعته، ترك لي جوعا ذهنيا كبيرا. فكوني من تونس، لا ترضى معدتي الأكل دون تغميس. ولا تقبل أصابعي إلا أن تلامس مكوّنات الطبق، ولا أرضي إلا بأن ألعق أصابعي بعد كلّ لقمة أدخلها إلى فمي. إنّ الأكل دون خبز يشبه الحرمان العاطفي. تخيّل نفسك ترسم لوحة فنية دون أن تغمس فرشاة في سطل الدهان. الخبز بالنسبة إليّ هو تلك الفرشاة السحرية، التي تمزج الألوان والأشكال ببراعة، وتطرحها على قماشة اللوحة فتغذّي كلّ مسامك بنشوة عارمة.
رحلتي مع الطماطم المحشوة كانت ممتعة. تخيّل نفسك تمسك حبّة الطماطم متلألئة الحمرة، تقبض عليها بين راحتك، تداعب نعومة قشرتها الرقيقة. وتأمّل تلك اللحظة الحاسمة، اللحظة الفاصلة، وأنت تمسك السكين بيد، وتثبّت حبّة الطماطم باليد الأخرى. وتمعّن في شعورك الرائع وأنت تقسمها إلى شطرين، فيتبدى أمامك لبّها، أزرار يتأرجح لونها ما بين الأبيض والبرتقالي، ويعوم في عصارة زهرية لزجة.
تلك الأزرار وتلك العصارة هي سرّ الطماطم. سرّ خلودها. وسرّ استمرارها في العطاء. هل جرّبت ذلك الشعور بالارتياح وأنت تلقي تلك الأزرار مع العصارة فوق التربة لتغمرك السعادة، بعد أيام أو أسابيع، وأنت تكتشف في نفس المكان الذي رميت فيه عصارة حياة الطماطم، براعم خضراء، تطلّ برأسها المزهوّ، مبشّرة بدورة حياة جديدة تبدأ خضراء، فصفراء، لتتحوّل في رقّة ونعومة إلى حمراء لامعة.
مهما كان شكلها، مستديرة مكتنزة كأجسام نساء البحر الأبيض المتوسّط أو المكسيك، مائلة للطول كأجسام الأوروبيات أو الأمريكيات، صغيرة مثل الآسيويات. الطماطم هي أكثر الثمار جاذبية وذكاء على الإطلاق. والدليل على ذلك أنها تركت مكانها لبقيّة الثمار والغلال، ونزلت على عرش الخضر الذي توّجها ملكة عليه. أوَ ليست الطماطم ملكة المطابخ بلا منازع. أوَ ليست الطماطم مرادفة للحياة. ألم تسمعوا مثلما سمعت، بذلك المواطن المصري البسيط ،الذي طعن زوجته إلى حدّ الموت، لأنها ألحت عليه في طلب الطماطم. فالمسكين عندما لم يستطع توفير ثمن كيلو من الطماطم ليضمن سعادته الزوجية، هانت عليه حياة زوجته، فقد كانت حياته وحياتها أرخص من ثمن كيلو طماطم.
يكفينا من التشاؤم ولنعد إلى معشوقتنا البومودورو. عشقي للغة الايطالية لا يضاهيه إلا عشقي للمطبخ الإيطالي وملكته المتوّجة. ألستم معي في الاعتقاد بأنّ ألوان العلم الايطالي الثلاثة إنما هي ألوان أشهر طبق في العالم. الأبيض هو لون الباستا أو المعكرونا. والأحمر هو لون البومودورو، أو التفاح الذهبي حسب الترجمة الحرفية للكلمة، يعني الطماطم، قوام كلّ الوصفات الحقيقية الضاربة في القدم. والأخضر، هو لون الريحان، تلك اللمسة الرشيقة من يد السيدة الإيطالية وهي تضع أوراق الريحان في طبق المعكرونة بالطماطم والريحان (Spaghetti al pomodoro e basilico) حالما يصبح جاهزا، وكأنها توقّع تحفة فنية رائعة.
المطبخ الإيطالي ينتمي إلى كوكب آخر. كوكب نجومه الذهبية المتلألئة هي طماطم ذهبية، أمطاره معكرونة، وهوائه ريحان. وقد جرّبت كلّ وصفات المعكرونة الطويلة، القصيرة، على شكل قوقعة، على شكل لولب، باللحم، بالخضار، بالجبة، بالسلطة. كلّ أطباق المعكرونة تنحني إجلالا أمام حضرة الطماطم. وأنا كذلك رغم ارتفاع وزني ثلاث كيلو هذه المرّة. وكان علي أن أسرع، فكميات الطماطم الهائلة التي تلقيتها توشك أن يصيبها العفن.
طبعا لم يكن هنالك من بدّ من العودة إلى الأصل. إلى المنبع. إلى الجذور. لا يمكن تخيّل مطبخ يناسب أهوائي أكثر من المطبخ التونسي. تلك الوصفات التونسية الرائعة التي تعرف كيف تدلّلني، كيف تدغدغ أنفي، كيف تثير نكهات وروائح وذكريات تؤسس كياني. تلك الوصفات البسيطة والرائعة التي رأيت أمي تمارس طقوسها بهدوء وسكينة. وتلك التي ابتكرها واستوحيتها من خيالي. الطماطم في تونس طبق رئيسي في حدّ ذاته. ألم تصادف يوما تونسيا مهموما يتحدّث عن حياته فيقول بأن حياته تحوّلت إلى سلطة، وما هي السلطة سوى طماطم تضاف إليها بعض المكوّنات الأخرى.
أعرف أناسا، وأنا منهم، في الموسم الحقيقي للطماطم، أي في الصيف، بعد أن تكون تلك الحبّات العجيبة الحمراء قد تشرّبت كلّ دفئ الشمس على عكس طماطم البيوت المكيّفة، يجعلون من الطماطم سلاحهم أمام غلاء المعيشة. فيأكلونها نيئة مع الخبز وقليل من الملح. يصنعون منها سلطة مع بعض البصل إذا لم يتوفّر ثمن الخيار والفلفل. يعصرونها ويطبخون بها مرقا من دون لحم. يجفّفونها. يشوونها على الفحم مع الفلفل فيصنعون سلطة مشوية، تنسيك هموم الدنيا.
السلطة المشوية، والمقلي، والمعكرونة بالصلصة، هي بهجة الصيف، وبهجة البطن التونسي. فالسلطة المشوية هي لوحة فنية يمتزج فيها لون الطماطم الأحمر بعد أن خرجت من جمر الفحم، مع خضرة الفلفل وبياض البصل والثوم، دون أن ندخل في تفاصيل البهارات. وإن كنتم مصرّين على المعرفة، فسرّ المرأة التونسية هو التابل ورأس الحانوت، وزيت الزيتون عندما تختلط هذه المكوّنات السحرية في أي طبق وتسيل على أي مزيج جوهره الطماطم، فكن واثقا بأنّ لعاب كلّ من يشمّ الرائحة ويرى بهجة الطبق ستسيل.
وسرّ السلطة المشوية الكثير من الصبر أمام لفح الجمر. الصبر الجميل وأنت تقلّب الطماطم على النار برفق كي لا تتفحّم، وأنت تنتزع القشرة المحترقة عن الطماطم والفلفل اللاسع والبصل، ذلك الصبر ستكافئ عليه عندما ترى الفرحة ترتسم على وجه كلّ يتذوّق أطباقك العابقة بالطماطم والمحبّة.
أمّا سرّ المقلي فهو الصبر على لسعة الزيت المتطاير. هو الانتشاء بموسيقى المقلاة وهي تحتفل بالفلفل ومن بعده بالطماطم. سيمفونية الصيف تمرّ حتما عبر الزيت الساخن وهو يعانق حبّات الفلفل اللاسعة ومن بعده أرباع الطماطم.
المقلي، هذا الطبق العجيب الذي تتغذّى عليه أغلب الأسر التونسية صيفا، يمكن أن يتوسّع ليشمل البطاطا والقرع والباذنجان والبيض فيصبح صحن كفتاجي، خلاصة التجربة الحياتية التونسية، سرّ من أسرار ثقافتها المتعدّدة، تجد آثار الغزاة، واستماتة السكّان الأصليين في الالتحام بجذورهم. لا يمكن أن تجد هذا الطبق في أي مطبخ آخر، لأنه ببساطة طبق تونسي.
هنالك أصول يجب إتباعها لإنجاح هذه الوصفة. هذه الأصول توشوشها كلّ أمّ ترغب في أن تجيد ابنتها الطبخ. سرّ البيضة المقلية الجميلة، التي يكون أصفرها في الوسط تماما، وتحيطها هالة من بياض أملس، هو أن تترك الزيت يحمى قليلا، ثمّ تضع البيض بسرعة ورفق، تحرّك الزيت بالملعقة برفق وكأنك تجدّف بهدوء في بركة صافية ذات مساء مقمر، تحرّك الزيت لتغمرها به، وكأنك تحمي طفلا رضيعا، بهدوء وحذر تغمره بالميته الدافئة كي لا يبرد، ثمّ قبل أن يصدر الزيت ضجّته المحبّبة، تخرج البيضة من المقلاة بسرعة ورفق، تضعها في الوعاء البلوري بحنان وكأنك أخرجت ذلك الطفل من حوض الاستحمام ولففته جيدا وتركته لينام بهدوء ووداعة.
يأتي دور البطاطا، تقطّعا في شكل أعواد أو دوائر حسب الرغبة، لأنك ولا شكّ ستترك بعضا منها لتزيين الصحن. تنتظر قليلا قبل أن تضعها في المقلاة، الوقت الكافي كي تدرك بحدسك أنّ الزيت أصبح مهيئا لاحتضان البطاطا وتدليلها حتى يصبح لونها ذهبيا. حينئذ تخرجا من المقلاة لتضعها قرب البيض المقلي. القرع في شكل مستطيلات إن كان قرعا أحمر، أو دوائر إن كان قرعا أخضر، يمكنك مزج الأحمر والأخضر في نفس الصحن، ليست هنالك قواعد صارمة في هذه المسألة. فالكفتاجي لوحة فنية يمكنك أن تضع فيها ما تريده من ألوان وأشكال. ثم تقطّع الباذنجان وترميه في المقلاة بسرعة قبل أن يتغيّر لونه.
بعد هذه الخضر ذات المذاق الهادئ يأتي دور الفلفل. ذالك الأخضر الحرّيق، الذي يرفع إلى السماء السابعة ثم ينفضك أرضا. ذلك المذاق الذي يشعلك تصرخ، وفي بعض الأحيان تلهث، يمكنك أن تستعمل الفلفل اللاذع مع الفلفل الحلو فتجد توازنا بين لذتين، وأخيرا يأتي دور الطماطم. في نفس المقلاة التي تشرّبت مذاقات المكوّنات الأخرى تغتسل الطماطم في صخب محبّب، وكأنهن هنديات يغتلسن في نهر الغانج، فيتطهّرن ويكتسبن أرواحا جديدة. نفس الشيء يحدث مع الطماطم. تدخل أبراجا، مزهوة بحمرتها، فتخرج وقد انفصلت عنها قشرتها وتحوّل لونها الزاهي إلى حمرة تميل إلى البرتقالي، وكأنّها الشمس تميل إلى الغروب، أو رجل اكتسب حكمة الكهولة، بعد أن عاش مغامرات الشباب.
تصوّر نفسك بعد أن قليت كلّ المكوّنات تمسك بسكينين فتقطع هذه الخضر التي تستسلم بلذة للسكين تشقها في كلّ اتجاه. هل تعجّبت يوما من قدرة سكاّن قارة آسيا من صينيين ويابانيين على استعمال عودين لتناول الطعام، كن واثقا من أن مشهد أي تونسي وهو يستعمل سكينين في نفس الوقت لتقطيع الخضروات المقلية هو مشهد في غاية من الجمال. ثم تأمّل حركة اليدين وهي تضيف قطعا من البصل والبقدونس ورشّة من التوابل، وبعضا من الكبد المقلي أو السمك لمن استطاع إلى ذلك سبيلا.
إنها مشاهد على بساطتها تحمل في عمقها شغفا بالحياة، ورغبة في الأخذ من كلّ شيء بطرف. ورغبة في تلوين الموجودات، والغرق في بحر من اللذة الحسية والوجودية.
الأطباق التونسية فيها الكثير من الصبر والمحبّة، ولولاهما لما وصلت إلينا اليوم أسرار الملوخية التي يستمر طبخها أكثر من سبع ساعات، والطاجين بين النارين، والمدفونة، تلك الأكلة العجيبة التي بقيّت سرّا مستغلقا على فتيات الجيل الحالي. والسرّ في محبّة الجميع للنساء العجائز واحترامهنّ. ليس فقط لأنهنّ البركة وذاكرة الأمّة، وإنما لأنهنّ يمسكن أسرار المطبخ التونسي البربري المتجّذر في لاوعي التونسيين المستعربين أو المتفرنسين. إنّهن يعرفن كيف يصنعن البسيسة، وكيف يكسكن الكسكسي والمحمّص والحلالم، ويعددن العصبان، والمرقاز، والملثوث، تلك الوصفات الأسطورية، التي تجعل منك تونسيا.
ومهما ابتعدت عن وطنك، فطريق ذكرياتك يمرّ حتما عبر أنفك، الذي يختزن روائح شربة الفريك أو الدشيش بالكبّار، والبريك بالعضمة، وأمك حورية، والسلاطة المشويطة، وسلاطة البلانكيط، والكسكسي بكلّ تقلّباته وأمزجته.
الكسكسي بالحوت (السمك)، بالخضر، بالعلوش، بالقديد، بالدجاج، بالرغيدة. مهما تغّرت وصفاته، فالكسكسي التونسي الحقيقي لونه أحمر مثل العلم. ولون الطماطم. ولون الحياة. المطبخ التونسي لونه أحمر بامتياز، والأطباق المصنوعة من الكركم أو الزعفران، إنما هي أطباق وافدة، أطباق البلدية، سكّان العاصمة، بقايا من خدموا الأتراك. ومن يأكل من غير طماطم، يفقد لذّة الأكل. هو على الأرجح شخص مريض. الأصحاء يحبّون الأطباق المبهجة، الغارقة في حمرتها، الغارقة في زيت الزيتون. أغلب الأطباق سواء التي تؤكل بالخبز أو بالملعقة في تونس لونها أحمر. وكلّ المرق مهما كانت مكوّناته إنما هو في الأصل خلاصة طماطم. ألم أقل بأنّ الطماطم هي نهر من اللذة. وعندما أبحرت في هذا النهر، جرفني تيار اللذة، ورماني على الشاطئ وقد أوشك وزني على التضاعف. ولكن ماذا أفعل مع هذا الصديق العزيز القادم من بعيد والذي عنّ له في أحد الأيام أن يرشقني بكلّ طماطم الكون؟ هل سأترك هديتي من دون أن أوفيها حقّها؟ طبعا لا. لذلك قرّرت أن أعيد إرسال ما تبقى من طماطم كي يشاركني الاستفادة من هذه الهدية الرائعة. وقبل أن أتحوّل إلى فيل، لأنني الآن تحوّلت إلى جاموسة.
بقلم روضة السالمي، تونس 02/04/2013

كيف أصبحت بدينة

كيف أصبحت بدينة فتحت الانترنات فانهالت عليّ كميات كبيرة من الطماطم. تلك الثمرة الحمراء العجيبة. التي تختزن في داخلها أسرارا من اللذة اللامتناهية. كان من أرسلها شخصا عزيزا على قلبي. فقرّرت أن أستفيد من هديته الرائعة العجيبة قبل أن يصيبها العطن. وطبعا فكّرت في الكمّ الهائل من الوصفات اللذيذة التي يمكنني تنفيذها بفضل هديتي النفيسة.
لم تبخل عليّ مناطق حوض البحر الأبيض المتوسّط بوصفاتها. فرحلت أنهل منها بكلّ سعادة. تخيّل نفسك ملكا متوجا على شعب من طماطم. ستجعل بعضه صلصة، والآخر عصيرا، ومرقا، وسلطة، وكلّ ما تتخيّله معدتك المستنفرة لتجرّب كلّ الوصفات المتاحة على الانترنات.
في البداية بحثت عن وصفات فرنسية. اعتقادا بأن المطبخ الفرنسي الراقي سيوفي الطماطم حقّها. غير أنّ ما نفذته من وصفات – مع كلّ التغييرات التي أحدثتها عليها، بسبب عدم توفّر بعض المكوّنات، وتعويضها بمكوّنات أخرى – لم يرضي نهمي للطماطم. ومع المطبخ الفرنسي جرّبت الطماطم المحشوة (Tomates farcies) باللحم المهروس والأرز، وجرّبتها بالجبنة البيضاء والبيض، وجرّبتها بالبطاطا والبقدونس. وجرّبتها باللحم المهروس ورقائق اللوز، وجرّبتها بمزج كلّ الوصفات معا. وكانت النتيجة أولّ كيلو غرام فائض عن الحاجة يسكن كيس جسدي.
في الواقع ذلك الفيض من الدهون، إنما هو خلاصة محبّة الطماطم المحشوة، الممزوجة بالبهارات، والمطبوخة بحبّ وعناية في الفرن، أو المقلية في الزيت والزبدة، أو المسلوقة على قدر من حساء الخضر. لذلك فأنا في هذه المرحلة الحالية لا أعير هذه الزيادة اهتماما كبيرا.
ولكّن المطبخ الفرنسي، رغم روعته، ترك لي جوعا ذهنيا كبيرا. فكوني من تونس، لا ترضى معدتي الأكل دون تغميس. ولا تقبل أصابعي إلا أن تلامس مكوّنات الطبق، ولا أرضي إلا بأن ألعق أصابعي بعد كلّ لقمة أدخلها إلى فمي. إنّ الأكل دون خبز يشبه الحرمان العاطفي. تخيّل نفسك ترسم لوحة فنية دون أن تغمس فرشاة في سطل الدهان. الخبز بالنسبة إليّ هو تلك الفرشاة السحرية، التي تمزج الألوان والأشكال ببراعة، وتطرحها على قماشة اللوحة فتغذّي كلّ مسامك بنشوة عارمة.
رحلتي مع الطماطم المحشوة كانت ممتعة. تخيّل نفسك تمسك حبّة الطماطم متلألئة الحمرة، تقبض عليها بين راحتك، تداعب نعومة قشرتها الرقيقة. وتأمّل تلك اللحظة الحاسمة، اللحظة الفاصلة، وأنت تمسك السكين بيد، وتثبّت حبّة الطماطم باليد الأخرى. وتمعّن في شعورك الرائع وأنت تقسمها إلى شطرين، فيتبدى أمامك لبّها، أزرار يتأرجح لونها ما بين الأبيض والبرتقالي، ويعوم في عصارة زهرية لزجة.
تلك الأزرار وتلك العصارة هي سرّ الطماطم. سرّ خلودها. وسرّ استمرارها في العطاء. هل جرّبت ذلك الشعور بالارتياح وأنت تلقي تلك الأزرار مع العصارة فوق التربة لتغمرك السعادة، بعد أيام أو أسابيع، وأنت تكتشف في نفس المكان الذي رميت فيه عصارة حياة الطماطم، براعم خضراء، تطلّ برأسها المزهوّ، مبشّرة بدورة حياة جديدة تبدأ خضراء، فصفراء، لتتحوّل في رقّة ونعومة إلى حمراء لامعة.
مهما كان شكلها، مستديرة مكتنزة كأجسام نساء البحر الأبيض المتوسّط أو المكسيك، مائلة للطول كأجسام الأوروبيات أو الأمريكيات، صغيرة مثل الآسيويات. الطماطم هي أكثر الثمار جاذبية وذكاء على الإطلاق. والدليل على ذلك أنها تركت مكانها لبقيّة الثمار والغلال، ونزلت على عرش الخضر الذي توّجها ملكة عليه. أوَ ليست الطماطم ملكة المطابخ بلا منازع. أوَ ليست الطماطم مرادفة للحياة. ألم تسمعوا مثلما سمعت، بذلك المواطن المصري البسيط ،الذي طعن زوجته إلى حدّ الموت، لأنها ألحت عليه في طلب الطماطم. فالمسكين عندما لم يستطع توفير ثمن كيلو من الطماطم ليضمن سعادته الزوجية، هانت عليه حياة زوجته، فقد كانت حياته وحياتها أرخص من ثمن كيلو طماطم.
يكفينا من التشاؤم ولنعد إلى معشوقتنا البومودورو. عشقي للغة الايطالية لا يضاهيه إلا عشقي للمطبخ الإيطالي وملكته المتوّجة. ألستم معي في الاعتقاد بأنّ ألوان العلم الايطالي الثلاثة إنما هي ألوان أشهر طبق في العالم. الأبيض هو لون الباستا أو المعكرونا. والأحمر هو لون البومودورو، أو التفاح الذهبي حسب الترجمة الحرفية للكلمة، يعني الطماطم، قوام كلّ الوصفات الحقيقية الضاربة في القدم. والأخضر، هو لون الريحان، تلك اللمسة الرشيقة من يد السيدة الإيطالية وهي تضع أوراق الريحان في طبق المعكرونة بالطماطم والريحان (Spaghetti al pomodoro e basilico) حالما يصبح جاهزا، وكأنها توقّع تحفة فنية رائعة.
المطبخ الإيطالي ينتمي إلى كوكب آخر. كوكب نجومه الذهبية المتلألئة هي طماطم ذهبية، أمطاره معكرونة، وهوائه ريحان. وقد جرّبت كلّ وصفات المعكرونة الطويلة، القصيرة، على شكل قوقعة، على شكل لولب، باللحم، بالخضار، بالجبة، بالسلطة. كلّ أطباق المعكرونة تنحني إجلالا أمام حضرة الطماطم. وأنا كذلك رغم ارتفاع وزني ثلاث كيلو هذه المرّة. وكان علي أن أسرع، فكميات الطماطم الهائلة التي تلقيتها توشك أن يصيبها العفن.
طبعا لم يكن هنالك من بدّ من العودة إلى الأصل. إلى المنبع. إلى الجذور. لا يمكن تخيّل مطبخ يناسب أهوائي أكثر من المطبخ التونسي. تلك الوصفات التونسية الرائعة التي تعرف كيف تدلّلني، كيف تدغدغ أنفي، كيف تثير نكهات وروائح وذكريات تؤسس كياني. تلك الوصفات البسيطة والرائعة التي رأيت أمي تمارس طقوسها بهدوء وسكينة. وتلك التي ابتكرها واستوحيتها من خيالي. الطماطم في تونس طبق رئيسي في حدّ ذاته. ألم تصادف يوما تونسيا مهموما يتحدّث عن حياته فيقول بأن حياته تحوّلت إلى سلطة، وما هي السلطة سوى طماطم تضاف إليها بعض المكوّنات الأخرى.
أعرف أناسا، وأنا منهم، في الموسم الحقيقي للطماطم، أي في الصيف، بعد أن تكون تلك الحبّات العجيبة الحمراء قد تشرّبت كلّ دفئ الشمس على عكس طماطم البيوت المكيّفة، يجعلون من الطماطم سلاحهم أمام غلاء المعيشة. فيأكلونها نيئة مع الخبز وقليل من الملح. يصنعون منها سلطة مع بعض البصل إذا لم يتوفّر ثمن الخيار والفلفل. يعصرونها ويطبخون بها مرقا من دون لحم. يجفّفونها. يشوونها على الفحم مع الفلفل فيصنعون سلطة مشوية، تنسيك هموم الدنيا.
السلطة المشوية، والمقلي، والمعكرونة بالصلصة، هي بهجة الصيف، وبهجة البطن التونسي. فالسلطة المشوية هي لوحة فنية يمتزج فيها لون الطماطم الأحمر بعد أن خرجت من جمر الفحم، مع خضرة الفلفل وبياض البصل والثوم، دون أن ندخل في تفاصيل البهارات. وإن كنتم مصرّين على المعرفة، فسرّ المرأة التونسية هو التابل ورأس الحانوت، وزيت الزيتون عندما تختلط هذه المكوّنات السحرية في أي طبق وتسيل على أي مزيج جوهره الطماطم، فكن واثقا بأنّ لعاب كلّ من يشمّ الرائحة ويرى بهجة الطبق ستسيل.
وسرّ السلطة المشوية الكثير من الصبر أمام لفح الجمر. الصبر الجميل وأنت تقلّب الطماطم على النار برفق كي لا تتفحّم، وأنت تنتزع القشرة المحترقة عن الطماطم والفلفل اللاسع والبصل، ذلك الصبر ستكافئ عليه عندما ترى الفرحة ترتسم على وجه كلّ يتذوّق أطباقك العابقة بالطماطم والمحبّة.
أمّا سرّ المقلي فهو الصبر على لسعة الزيت المتطاير. هو الانتشاء بموسيقى المقلاة وهي تحتفل بالفلفل ومن بعده بالطماطم. سيمفونية الصيف تمرّ حتما عبر الزيت الساخن وهو يعانق حبّات الفلفل اللاسعة ومن بعده أرباع الطماطم.
المقلي، هذا الطبق العجيب الذي تتغذّى عليه أغلب الأسر التونسية صيفا، يمكن أن يتوسّع ليشمل البطاطا والقرع والباذنجان والبيض فيصبح صحن كفتاجي، خلاصة التجربة الحياتية التونسية، سرّ من أسرار ثقافتها المتعدّدة، تجد آثار الغزاة، واستماتة السكّان الأصليين في الالتحام بجذورهم. لا يمكن أن تجد هذا الطبق في أي مطبخ آخر، لأنه ببساطة طبق تونسي.
هنالك أصول يجب إتباعها لإنجاح هذه الوصفة. هذه الأصول توشوشها كلّ أمّ ترغب في أن تجيد ابنتها الطبخ. سرّ البيضة المقلية الجميلة، التي يكون أصفرها في الوسط تماما، وتحيطها هالة من بياض أملس، هو أن تترك الزيت يحمى قليلا، ثمّ تضع البيض بسرعة ورفق، تحرّك الزيت بالملعقة برفق وكأنك تجدّف بهدوء في بركة صافية ذات مساء مقمر، تحرّك الزيت لتغمرها به، وكأنك تحمي طفلا رضيعا، بهدوء وحذر تغمره بالميته الدافئة كي لا يبرد، ثمّ قبل أن يصدر الزيت ضجّته المحبّبة، تخرج البيضة من المقلاة بسرعة ورفق، تضعها في الوعاء البلوري بحنان وكأنك أخرجت ذلك الطفل من حوض الاستحمام ولففته جيدا وتركته لينام بهدوء ووداعة.
يأتي دور البطاطا، تقطّعا في شكل أعواد أو دوائر حسب الرغبة، لأنك ولا شكّ ستترك بعضا منها لتزيين الصحن. تنتظر قليلا قبل أن تضعها في المقلاة، الوقت الكافي كي تدرك بحدسك أنّ الزيت أصبح مهيئا لاحتضان البطاطا وتدليلها حتى يصبح لونها ذهبيا. حينئذ تخرجا من المقلاة لتضعها قرب البيض المقلي. القرع في شكل مستطيلات إن كان قرعا أحمر، أو دوائر إن كان قرعا أخضر، يمكنك مزج الأحمر والأخضر في نفس الصحن، ليست هنالك قواعد صارمة في هذه المسألة. فالكفتاجي لوحة فنية يمكنك أن تضع فيها ما تريده من ألوان وأشكال. ثم تقطّع الباذنجان وترميه في المقلاة بسرعة قبل أن يتغيّر لونه.
بعد هذه الخضر ذات المذاق الهادئ يأتي دور الفلفل. ذالك الأخضر الحرّيق، الذي يرفع إلى السماء السابعة ثم ينفضك أرضا. ذلك المذاق الذي يشعلك تصرخ، وفي بعض الأحيان تلهث، يمكنك أن تستعمل الفلفل اللاذع مع الفلفل الحلو فتجد توازنا بين لذتين، وأخيرا يأتي دور الطماطم. في نفس المقلاة التي تشرّبت مذاقات المكوّنات الأخرى تغتسل الطماطم في صخب محبّب، وكأنهن هنديات يغتلسن في نهر الغانج، فيتطهّرن ويكتسبن أرواحا جديدة. نفس الشيء يحدث مع الطماطم. تدخل أبراجا، مزهوة بحمرتها، فتخرج وقد انفصلت عنها قشرتها وتحوّل لونها الزاهي إلى حمرة تميل إلى البرتقالي، وكأنّها الشمس تميل إلى الغروب، أو رجل اكتسب حكمة الكهولة، بعد أن عاش مغامرات الشباب.
تصوّر نفسك بعد أن قليت كلّ المكوّنات تمسك بسكينين فتقطع هذه الخضر التي تستسلم بلذة للسكين تشقها في كلّ اتجاه. هل تعجّبت يوما من قدرة سكاّن قارة آسيا من صينيين ويابانيين على استعمال عودين لتناول الطعام، كن واثقا من أن مشهد أي تونسي وهو يستعمل سكينين في نفس الوقت لتقطيع الخضروات المقلية هو مشهد في غاية من الجمال. ثم تأمّل حركة اليدين وهي تضيف قطعا من البصل والبقدونس ورشّة من التوابل، وبعضا من الكبد المقلي أو السمك لمن استطاع إلى ذلك سبيلا.
إنها مشاهد على بساطتها تحمل في عمقها شغفا بالحياة، ورغبة في الأخذ من كلّ شيء بطرف. ورغبة في تلوين الموجودات، والغرق في بحر من اللذة الحسية والوجودية.
الأطباق التونسية فيها الكثير من الصبر والمحبّة، ولولاهما لما وصلت إلينا اليوم أسرار الملوخية التي يستمر طبخها أكثر من سبع ساعات، والطاجين بين النارين، والمدفونة، تلك الأكلة العجيبة التي بقيّت سرّا مستغلقا على فتيات الجيل الحالي. والسرّ في محبّة الجميع للنساء العجائز واحترامهنّ. ليس فقط لأنهنّ البركة وذاكرة الأمّة، وإنما لأنهنّ يمسكن أسرار المطبخ التونسي البربري المتجّذر في لاوعي التونسيين المستعربين أو المتفرنسين. إنّهن يعرفن كيف يصنعن البسيسة، وكيف يكسكن الكسكسي والمحمّص والحلالم، ويعددن العصبان، والمرقاز، والملثوث، تلك الوصفات الأسطورية، التي تجعل منك تونسيا.
ومهما ابتعدت عن وطنك، فطريق ذكرياتك يمرّ حتما عبر أنفك، الذي يختزن روائح شربة الفريك أو الدشيش بالكبّار، والبريك بالعضمة، وأمك حورية، والسلاطة المشويطة، وسلاطة البلانكيط، والكسكسي بكلّ تقلّباته وأمزجته.
الكسكسي بالحوت (السمك)، بالخضر، بالعلوش، بالقديد، بالدجاج، بالرغيدة. مهما تغّرت وصفاته، فالكسكسي التونسي الحقيقي لونه أحمر مثل العلم. ولون الطماطم. ولون الحياة. المطبخ التونسي لونه أحمر بامتياز، والأطباق المصنوعة من الكركم أو الزعفران، إنما هي أطباق وافدة، أطباق البلدية، سكّان العاصمة، بقايا من خدموا الأتراك. ومن يأكل من غير طماطم، يفقد لذّة الأكل. هو على الأرجح شخص مريض. الأصحاء يحبّون الأطباق المبهجة، الغارقة في حمرتها، الغارقة في زيت الزيتون. أغلب الأطباق سواء التي تؤكل بالخبز أو بالملعقة في تونس لونها أحمر. وكلّ المرق مهما كانت مكوّناته إنما هو في الأصل خلاصة طماطم. ألم أقل بأنّ الطماطم هي نهر من اللذة. وعندما أبحرت في هذا النهر، جرفني تيار اللذة، ورماني على الشاطئ وقد أوشك وزني على التضاعف. ولكن ماذا أفعل مع هذا الصديق العزيز القادم من بعيد والذي عنّ له في أحد الأيام أن يرشقني بكلّ طماطم الكون؟ هل سأترك هديتي من دون أن أوفيها حقّها؟ طبعا لا. لذلك قرّرت أن أعيد إرسال ما تبقى من طماطم كي يشاركني الاستفادة من هذه الهدية الرائعة. وقبل أن أتحوّل إلى فيل، لأنني الآن تحوّلت إلى جاموسة.
بقلم روضة السالمي، تونس 02/04/2013
كيف أصبحت بدينة فتحت الانترنات فانهالت عليّ كميات كبيرة من الطماطم. تلك الثمرة الحمراء العجيبة. التي تختزن في داخلها أسرارا من اللذة اللامتناهية. كان من أرسلها شخصا عزيزا على قلبي. فقرّرت أن أستفيد من هديته الرائعة العجيبة قبل أن يصيبها العطن. وطبعا فكّرت في الكمّ الهائل من الوصفات اللذيذة التي يمكنني تنفيذها بفضل هديتي النفيسة.
لم تبخل عليّ مناطق حوض البحر الأبيض المتوسّط بوصفاتها. فرحلت أنهل منها بكلّ سعادة. تخيّل نفسك ملكا متوجا على شعب من طماطم. ستجعل بعضه صلصة، والآخر عصيرا، ومرقا، وسلطة، وكلّ ما تتخيّله معدتك المستنفرة لتجرّب كلّ الوصفات المتاحة على الانترنات.
في البداية بحثت عن وصفات فرنسية. اعتقادا بأن المطبخ الفرنسي الراقي سيوفي الطماطم حقّها. غير أنّ ما نفذته من وصفات – مع كلّ التغييرات التي أحدثتها عليها، بسبب عدم توفّر بعض المكوّنات، وتعويضها بمكوّنات أخرى – لم يرضي نهمي للطماطم. ومع المطبخ الفرنسي جرّبت الطماطم المحشوة (Tomates farcies) باللحم المهروس والأرز، وجرّبتها بالجبنة البيضاء والبيض، وجرّبتها بالبطاطا والبقدونس. وجرّبتها باللحم المهروس ورقائق اللوز، وجرّبتها بمزج كلّ الوصفات معا. وكانت النتيجة أولّ كيلو غرام فائض عن الحاجة يسكن كيس جسدي.
في الواقع ذلك الفيض من الدهون، إنما هو خلاصة محبّة الطماطم المحشوة، الممزوجة بالبهارات، والمطبوخة بحبّ وعناية في الفرن، أو المقلية في الزيت والزبدة، أو المسلوقة على قدر من حساء الخضر. لذلك فأنا في هذه المرحلة الحالية لا أعير هذه الزيادة اهتماما كبيرا.
ولكّن المطبخ الفرنسي، رغم روعته، ترك لي جوعا ذهنيا كبيرا. فكوني من تونس، لا ترضى معدتي الأكل دون تغميس. ولا تقبل أصابعي إلا أن تلامس مكوّنات الطبق، ولا أرضي إلا بأن ألعق أصابعي بعد كلّ لقمة أدخلها إلى فمي. إنّ الأكل دون خبز يشبه الحرمان العاطفي. تخيّل نفسك ترسم لوحة فنية دون أن تغمس فرشاة في سطل الدهان. الخبز بالنسبة إليّ هو تلك الفرشاة السحرية، التي تمزج الألوان والأشكال ببراعة، وتطرحها على قماشة اللوحة فتغذّي كلّ مسامك بنشوة عارمة.
رحلتي مع الطماطم المحشوة كانت ممتعة. تخيّل نفسك تمسك حبّة الطماطم متلألئة الحمرة، تقبض عليها بين راحتك، تداعب نعومة قشرتها الرقيقة. وتأمّل تلك اللحظة الحاسمة، اللحظة الفاصلة، وأنت تمسك السكين بيد، وتثبّت حبّة الطماطم باليد الأخرى. وتمعّن في شعورك الرائع وأنت تقسمها إلى شطرين، فيتبدى أمامك لبّها، أزرار يتأرجح لونها ما بين الأبيض والبرتقالي، ويعوم في عصارة زهرية لزجة.
تلك الأزرار وتلك العصارة هي سرّ الطماطم. سرّ خلودها. وسرّ استمرارها في العطاء. هل جرّبت ذلك الشعور بالارتياح وأنت تلقي تلك الأزرار مع العصارة فوق التربة لتغمرك السعادة، بعد أيام أو أسابيع، وأنت تكتشف في نفس المكان الذي رميت فيه عصارة حياة الطماطم، براعم خضراء، تطلّ برأسها المزهوّ، مبشّرة بدورة حياة جديدة تبدأ خضراء، فصفراء، لتتحوّل في رقّة ونعومة إلى حمراء لامعة.
مهما كان شكلها، مستديرة مكتنزة كأجسام نساء البحر الأبيض المتوسّط أو المكسيك، مائلة للطول كأجسام الأوروبيات أو الأمريكيات، صغيرة مثل الآسيويات. الطماطم هي أكثر الثمار جاذبية وذكاء على الإطلاق. والدليل على ذلك أنها تركت مكانها لبقيّة الثمار والغلال، ونزلت على عرش الخضر الذي توّجها ملكة عليه. أوَ ليست الطماطم ملكة المطابخ بلا منازع. أوَ ليست الطماطم مرادفة للحياة. ألم تسمعوا مثلما سمعت، بذلك المواطن المصري البسيط ،الذي طعن زوجته إلى حدّ الموت، لأنها ألحت عليه في طلب الطماطم. فالمسكين عندما لم يستطع توفير ثمن كيلو من الطماطم ليضمن سعادته الزوجية، هانت عليه حياة زوجته، فقد كانت حياته وحياتها أرخص من ثمن كيلو طماطم.
يكفينا من التشاؤم ولنعد إلى معشوقتنا البومودورو. عشقي للغة الايطالية لا يضاهيه إلا عشقي للمطبخ الإيطالي وملكته المتوّجة. ألستم معي في الاعتقاد بأنّ ألوان العلم الايطالي الثلاثة إنما هي ألوان أشهر طبق في العالم. الأبيض هو لون الباستا أو المعكرونا. والأحمر هو لون البومودورو، أو التفاح الذهبي حسب الترجمة الحرفية للكلمة، يعني الطماطم، قوام كلّ الوصفات الحقيقية الضاربة في القدم. والأخضر، هو لون الريحان، تلك اللمسة الرشيقة من يد السيدة الإيطالية وهي تضع أوراق الريحان في طبق المعكرونة بالطماطم والريحان (Spaghetti al pomodoro e basilico) حالما يصبح جاهزا، وكأنها توقّع تحفة فنية رائعة.
المطبخ الإيطالي ينتمي إلى كوكب آخر. كوكب نجومه الذهبية المتلألئة هي طماطم ذهبية، أمطاره معكرونة، وهوائه ريحان. وقد جرّبت كلّ وصفات المعكرونة الطويلة، القصيرة، على شكل قوقعة، على شكل لولب، باللحم، بالخضار، بالجبة، بالسلطة. كلّ أطباق المعكرونة تنحني إجلالا أمام حضرة الطماطم. وأنا كذلك رغم ارتفاع وزني ثلاث كيلو هذه المرّة. وكان علي أن أسرع، فكميات الطماطم الهائلة التي تلقيتها توشك أن يصيبها العفن.
طبعا لم يكن هنالك من بدّ من العودة إلى الأصل. إلى المنبع. إلى الجذور. لا يمكن تخيّل مطبخ يناسب أهوائي أكثر من المطبخ التونسي. تلك الوصفات التونسية الرائعة التي تعرف كيف تدلّلني، كيف تدغدغ أنفي، كيف تثير نكهات وروائح وذكريات تؤسس كياني. تلك الوصفات البسيطة والرائعة التي رأيت أمي تمارس طقوسها بهدوء وسكينة. وتلك التي ابتكرها واستوحيتها من خيالي. الطماطم في تونس طبق رئيسي في حدّ ذاته. ألم تصادف يوما تونسيا مهموما يتحدّث عن حياته فيقول بأن حياته تحوّلت إلى سلطة، وما هي السلطة سوى طماطم تضاف إليها بعض المكوّنات الأخرى.
أعرف أناسا، وأنا منهم، في الموسم الحقيقي للطماطم، أي في الصيف، بعد أن تكون تلك الحبّات العجيبة الحمراء قد تشرّبت كلّ دفئ الشمس على عكس طماطم البيوت المكيّفة، يجعلون من الطماطم سلاحهم أمام غلاء المعيشة. فيأكلونها نيئة مع الخبز وقليل من الملح. يصنعون منها سلطة مع بعض البصل إذا لم يتوفّر ثمن الخيار والفلفل. يعصرونها ويطبخون بها مرقا من دون لحم. يجفّفونها. يشوونها على الفحم مع الفلفل فيصنعون سلطة مشوية، تنسيك هموم الدنيا.
السلطة المشوية، والمقلي، والمعكرونة بالصلصة، هي بهجة الصيف، وبهجة البطن التونسي. فالسلطة المشوية هي لوحة فنية يمتزج فيها لون الطماطم الأحمر بعد أن خرجت من جمر الفحم، مع خضرة الفلفل وبياض البصل والثوم، دون أن ندخل في تفاصيل البهارات. وإن كنتم مصرّين على المعرفة، فسرّ المرأة التونسية هو التابل ورأس الحانوت، وزيت الزيتون عندما تختلط هذه المكوّنات السحرية في أي طبق وتسيل على أي مزيج جوهره الطماطم، فكن واثقا بأنّ لعاب كلّ من يشمّ الرائحة ويرى بهجة الطبق ستسيل.
وسرّ السلطة المشوية الكثير من الصبر أمام لفح الجمر. الصبر الجميل وأنت تقلّب الطماطم على النار برفق كي لا تتفحّم، وأنت تنتزع القشرة المحترقة عن الطماطم والفلفل اللاسع والبصل، ذلك الصبر ستكافئ عليه عندما ترى الفرحة ترتسم على وجه كلّ يتذوّق أطباقك العابقة بالطماطم والمحبّة.
أمّا سرّ المقلي فهو الصبر على لسعة الزيت المتطاير. هو الانتشاء بموسيقى المقلاة وهي تحتفل بالفلفل ومن بعده بالطماطم. سيمفونية الصيف تمرّ حتما عبر الزيت الساخن وهو يعانق حبّات الفلفل اللاسعة ومن بعده أرباع الطماطم.
المقلي، هذا الطبق العجيب الذي تتغذّى عليه أغلب الأسر التونسية صيفا، يمكن أن يتوسّع ليشمل البطاطا والقرع والباذنجان والبيض فيصبح صحن كفتاجي، خلاصة التجربة الحياتية التونسية، سرّ من أسرار ثقافتها المتعدّدة، تجد آثار الغزاة، واستماتة السكّان الأصليين في الالتحام بجذورهم. لا يمكن أن تجد هذا الطبق في أي مطبخ آخر، لأنه ببساطة طبق تونسي.
هنالك أصول يجب إتباعها لإنجاح هذه الوصفة. هذه الأصول توشوشها كلّ أمّ ترغب في أن تجيد ابنتها الطبخ. سرّ البيضة المقلية الجميلة، التي يكون أصفرها في الوسط تماما، وتحيطها هالة من بياض أملس، هو أن تترك الزيت يحمى قليلا، ثمّ تضع البيض بسرعة ورفق، تحرّك الزيت بالملعقة برفق وكأنك تجدّف بهدوء في بركة صافية ذات مساء مقمر، تحرّك الزيت لتغمرها به، وكأنك تحمي طفلا رضيعا، بهدوء وحذر تغمره بالميته الدافئة كي لا يبرد، ثمّ قبل أن يصدر الزيت ضجّته المحبّبة، تخرج البيضة من المقلاة بسرعة ورفق، تضعها في الوعاء البلوري بحنان وكأنك أخرجت ذلك الطفل من حوض الاستحمام ولففته جيدا وتركته لينام بهدوء ووداعة.
يأتي دور البطاطا، تقطّعا في شكل أعواد أو دوائر حسب الرغبة، لأنك ولا شكّ ستترك بعضا منها لتزيين الصحن. تنتظر قليلا قبل أن تضعها في المقلاة، الوقت الكافي كي تدرك بحدسك أنّ الزيت أصبح مهيئا لاحتضان البطاطا وتدليلها حتى يصبح لونها ذهبيا. حينئذ تخرجا من المقلاة لتضعها قرب البيض المقلي. القرع في شكل مستطيلات إن كان قرعا أحمر، أو دوائر إن كان قرعا أخضر، يمكنك مزج الأحمر والأخضر في نفس الصحن، ليست هنالك قواعد صارمة في هذه المسألة. فالكفتاجي لوحة فنية يمكنك أن تضع فيها ما تريده من ألوان وأشكال. ثم تقطّع الباذنجان وترميه في المقلاة بسرعة قبل أن يتغيّر لونه.
بعد هذه الخضر ذات المذاق الهادئ يأتي دور الفلفل. ذالك الأخضر الحرّيق، الذي يرفع إلى السماء السابعة ثم ينفضك أرضا. ذلك المذاق الذي يشعلك تصرخ، وفي بعض الأحيان تلهث، يمكنك أن تستعمل الفلفل اللاذع مع الفلفل الحلو فتجد توازنا بين لذتين، وأخيرا يأتي دور الطماطم. في نفس المقلاة التي تشرّبت مذاقات المكوّنات الأخرى تغتسل الطماطم في صخب محبّب، وكأنهن هنديات يغتلسن في نهر الغانج، فيتطهّرن ويكتسبن أرواحا جديدة. نفس الشيء يحدث مع الطماطم. تدخل أبراجا، مزهوة بحمرتها، فتخرج وقد انفصلت عنها قشرتها وتحوّل لونها الزاهي إلى حمرة تميل إلى البرتقالي، وكأنّها الشمس تميل إلى الغروب، أو رجل اكتسب حكمة الكهولة، بعد أن عاش مغامرات الشباب.
تصوّر نفسك بعد أن قليت كلّ المكوّنات تمسك بسكينين فتقطع هذه الخضر التي تستسلم بلذة للسكين تشقها في كلّ اتجاه. هل تعجّبت يوما من قدرة سكاّن قارة آسيا من صينيين ويابانيين على استعمال عودين لتناول الطعام، كن واثقا من أن مشهد أي تونسي وهو يستعمل سكينين في نفس الوقت لتقطيع الخضروات المقلية هو مشهد في غاية من الجمال. ثم تأمّل حركة اليدين وهي تضيف قطعا من البصل والبقدونس ورشّة من التوابل، وبعضا من الكبد المقلي أو السمك لمن استطاع إلى ذلك سبيلا.
إنها مشاهد على بساطتها تحمل في عمقها شغفا بالحياة، ورغبة في الأخذ من كلّ شيء بطرف. ورغبة في تلوين الموجودات، والغرق في بحر من اللذة الحسية والوجودية.
الأطباق التونسية فيها الكثير من الصبر والمحبّة، ولولاهما لما وصلت إلينا اليوم أسرار الملوخية التي يستمر طبخها أكثر من سبع ساعات، والطاجين بين النارين، والمدفونة، تلك الأكلة العجيبة التي بقيّت سرّا مستغلقا على فتيات الجيل الحالي. والسرّ في محبّة الجميع للنساء العجائز واحترامهنّ. ليس فقط لأنهنّ البركة وذاكرة الأمّة، وإنما لأنهنّ يمسكن أسرار المطبخ التونسي البربري المتجّذر في لاوعي التونسيين المستعربين أو المتفرنسين. إنّهن يعرفن كيف يصنعن البسيسة، وكيف يكسكن الكسكسي والمحمّص والحلالم، ويعددن العصبان، والمرقاز، والملثوث، تلك الوصفات الأسطورية، التي تجعل منك تونسيا.
ومهما ابتعدت عن وطنك، فطريق ذكرياتك يمرّ حتما عبر أنفك، الذي يختزن روائح شربة الفريك أو الدشيش بالكبّار، والبريك بالعضمة، وأمك حورية، والسلاطة المشويطة، وسلاطة البلانكيط، والكسكسي بكلّ تقلّباته وأمزجته.
الكسكسي بالحوت (السمك)، بالخضر، بالعلوش، بالقديد، بالدجاج، بالرغيدة. مهما تغّرت وصفاته، فالكسكسي التونسي الحقيقي لونه أحمر مثل العلم. ولون الطماطم. ولون الحياة. المطبخ التونسي لونه أحمر بامتياز، والأطباق المصنوعة من الكركم أو الزعفران، إنما هي أطباق وافدة، أطباق البلدية، سكّان العاصمة، بقايا من خدموا الأتراك. ومن يأكل من غير طماطم، يفقد لذّة الأكل. هو على الأرجح شخص مريض. الأصحاء يحبّون الأطباق المبهجة، الغارقة في حمرتها، الغارقة في زيت الزيتون. أغلب الأطباق سواء التي تؤكل بالخبز أو بالملعقة في تونس لونها أحمر. وكلّ المرق مهما كانت مكوّناته إنما هو في الأصل خلاصة طماطم. ألم أقل بأنّ الطماطم هي نهر من اللذة. وعندما أبحرت في هذا النهر، جرفني تيار اللذة، ورماني على الشاطئ وقد أوشك وزني على التضاعف. ولكن ماذا أفعل مع هذا الصديق العزيز القادم من بعيد والذي عنّ له في أحد الأيام أن يرشقني بكلّ طماطم الكون؟ هل سأترك هديتي من دون أن أوفيها حقّها؟ طبعا لا. لذلك قرّرت أن أعيد إرسال ما تبقى من طماطم كي يشاركني الاستفادة من هذه الهدية الرائعة. وقبل أن أتحوّل إلى فيل، لأنني الآن تحوّلت إلى جاموسة.
بقلم روضة السالمي، تونس 02/04/2013

8‏/3‏/2013

جداريات إدارية في مدح بعض من البرية

إداريات
حمّام الأحلام
حضرت الدقائق الخمس الأولى من الاجتماع العام، ثم ذهبت إلى الحمام. سافرت هناك إلى أماكن بعيدة، فيها بحر وسماء، فيها عشب وضياء. وعادت قبل الدقائق الخمس الأخيرة، قدّموا خلالها الخلاصة، ومفادها أن لا مكان للأحلام، سوى في الحمام.
خلاصة الخلاصة في لمّ شمل البصّاصة
قرّر الرعاع - ممّن لا مناصب لهم - وذووا المناصب - ممّن لا شرف لهم - القيام باجتماع، يقولون فيه بالإجماع لا للمدير الطمّاع.
وخلال الاجتماع تسلّل سفراء السلام، واحدا – واحدا، لينقلوا بكلّ أمانة وقائع الاجتماع إلى سيّدهم المدير، ثمّ عادوا على أطراف أصابعهم واحدا – واحدا، والتصقوا بالجموع، فيما ذهب آخرون بنفس الطريقة للقيام بنفس المهمّة.
المهمّ في الحكاية أنّ المدير العام، تفتّق ذهنه الوقاد عن حيلة تنجيه من لاءات كلّ الأوغاد، فانتحب وضرب الكرسي بقبضته وأجهش بالبكاء. وبطريقة عجيبة غريبة علم الجميع بمسألة التمساح ودموعه، فخرج كلّ من في القاعة من أوغاد وأضداد وذهبوا إلى المدير المكلوم، الذي ذكّرهم بين الشهيق والنفير، ومسح المخاط والضراط، بكلّ الوعود التي قطعها لهم، وبكل الصعوبات التي منعته من الوفاء وإزجاء العطاء.
وهكذا، أنقذت الدموع المدرار منصب أخذ القرار. ويبقى الرعاع رعاعا والضباع ضباعا.
الزمان والمكان على رقعة شطرنج بلا ألوان
زرقة السماء على شاشة الكمبيوتر تشبه بشكل مريب صورة السماء التي يختزنها في ذاكرته. لكن لا وقت للزرقة لديه. عليه أن ينتهي من كتابة التقرير وتسليمه إلى المدير، قبل أن يبدأ بكتابة تقرير جديد.
سبع ظلال قاتمة رمادية لأشكال هلامية باردة
السكرتيرة ظلّ المدير على الأرض. أصحابها أصحاب المدير. جيرانها جيرانه. الروائح التي تطلقها من مؤخرتها، لها نفس الرائحة التي تخرج رغما عنه من مؤخرته. من لا يلقي عليها التحية والسلام، فهو من دون شك محشور في زمرة الأعداء، هو من الغاوين، الضالين.
السائق ظلّ المدير على الأرض. عيونه عيون المدير. فمه فم المدير. أذنيه أذنا المدير. والويل لمن تسوّل له نفسه التطاول على مقام المدير وسائق المدير.
ذراع المدير اليمنى هو المدير نفسه. أسراره أسرار المدير. أفكاره أفكار المدير. وكذلك الشأن بالنسبة إلى الذراع اليسرى للمدير. حيثما تصل أناملها تصل أنامل المدير. والأماكن التي توضع فيها تلك الأصابع إنما هي الأماكن التي تتوغّل فيها أصابع المدير.
وأطراف المدير السفلى، خذ عندك مثلا الطرف السفلي الأيمن للمدير، إنه يذهب أينما ذهب المدير. والطرف السفلي الأيسر إنما هو المدير.
أما الرأس المدبّر، ذلك المتخفي في مكتب معتم، الذي يبحث في الشبكة عن أثر أفكار قد تبدو مناهضة لأفكار المدير، إنما هو المدير نفسه في امتداده عبر الزمان والمكان.
وإن صادف وكنت من الغاوين الضالين المفسدين، ولم يرض عنك لا السكرتيرة ولا السائق ولا الرأس أو الأطراف فابحث لنفسك عن صمت ترتديه لتستطيع العيش في انتظار مرتبك الشهري.
شرعية فقدان العذرية لتسوية الشؤون الإدارية
فكّر بفكرة. أعصر ذهنك. ضع كلّ موهبتك على ورقة. تفان في تعقّب التفاصيل. حبّر أمتارا من الورق. تخل لأسابيع عن الفطور والغذاء. احلم ليلا بمشروعك. انهي المسوّدة وأسرع في تقديمها لرئيسك. سيشكرك حتما. سيغيّر بعض قوافيه. يعيد ترتيب الجمل فيه. ويمهره بتوقيعه الجميل. افرح. فقد أصبحت من المقرّبين. واشكره أنه تركك تنعم بالخيال وتحلم. فقد كان بإمكانه منعك من التفكير.
لذلك اشكره وشجّعه بأجمل ابتسامة لديك. الفت انتباهه إلى بعض التفاصيل التي قد تفوته. وبالغ في تهنئته بمشروعه الجديد. فالمهمّ أنك عندما تنظر إلى مربّع السماء المتسلّل من نافذة مبهمة تستطيع أن تنظر إلى بعيد.
ميزة البله لبلوغ مراتب الوله
أحبّ للمدير ما تحبّ لنفسك. تمنىّ له ما تتمنّاه لنفسك. إن سمعت عنه شيئا يسيئه، فانقله إليه، ليس من باب الوشاية، وإنما لأنك لا تحبّ ذلك لنفسك. وإن سمعت عنه شيئا حسنا، فانسبه إلى نفسك. ليس كذبا أو افتراء، ولكن لأنك فعلا فكّرت في ذلك في لاوعيك قبل أن ينطقه الآخرون. إن فعلت ذلك فأنت في الطريق السريعة رقم 4.
دائرة السرور في تدبير الأمور
الباب الواسع قد يضيق على ضيقي الأفق مثلك. الباب واسع يستطيع أن يدخل منه الجميع، ولكنه يفتح لشخص واحد فقط. ذلك الشخص هو من ينال رضا المدير. فاحرص أن تكون أنت الشخص المحظوظ. ذلك الباب الواسع اسمه باب الرضا. وفي الإدارة أبواب أخرى كثيرة. أغلبها مخصّص للخروج.
فصل المقال في حسن المآل
إن نادتك السكرتيرة يوما للقاء المدير، فتدبّر أمرك. افرك مصباح علاء الدين. اطلب الرحمة من ربّ العالمين، أو اطلب النصح من المقرّبين. المهمّ أن تسرع وتتصرّف. يجب أن تفوح منك رائحة عطرة. أن يكون هندامك أثر من لائق. واحرص كلّ الحرص ألا تكون رائحة فمك كريهة. احمل كيسا أو اثنين من الشائعات. وعلبة أو اثنتين من القيل والقال. من يدري قد ينفعك ذلك وقت السؤال.
لا تكن كما تكون بل كن كما كنت
كن من المقربين الدائمين إلى الحاجب وعاملة النظافة، من السائق والسكرتيرة، ومن كلّ شخص تستشعر كفاءته في تدبير الأمور. تسلّح بابتسامة كبيرة، ونظرة ثاقبة، وتفانى في خدمة الجميع. فأنت لا تستطيع أن تعرف من يكتب عنك التقارير.
طبق طائر على شكل فطائر
عشرة أشياء هي سلاحك في عالم الإدارة. لا أعلم عنها شيئا. وإلا لكنت المدير. غير أنني أرجّح أنها مزيج من مكر، ودهاء، وبعض الذكاء، أضف إليها جيشا من الحلفاء، وعيون الأصدقاء، أفرغ فيها محتوى حقائب من أقوال الحكماء وبلاغة السفهاء، امزجها بأخبار حفنة من الأعداء، زوّقها بابتسامة صفراء، ورغبة كبيرة في البقاء تحت أقدام أفضل المدراء. يبدو أنّ وصفتي تجاوزت عشرة مكوّنات، ذلك يعني أنني لا أجيد طبخة الارتقاء. روضة السالمي، تونس 5 مارس 2013

20‏/12‏/2012

الجائزة العربية مصطفى عزوز لأدب الطفل 2012

البنك العربي لتونس منتدى أدب الطفل بـــلاغ
يعلن البنـك العـربي لتونس و منتدى أدب الطفل عن فتح باب الترشح للجائـزة العـربية مصطفى عزوز لأدب الطفل لسنة 2012 أمام كل المبدعين العرب وفقا للبيانات التالية :
- تخصص دورة 2012 للتأليف الأدبي (القصة) الموجه للناشئة: من 12 إلى 15 سنة.
- ينبغي أن يتراوح طول النص المرشح بين 30 و 60 صفحة من الحجم العادي بالنسبة للمشاركين من الكتاب والأدباء ومن 10 إلى 25 صفحة بالنسبة للمشاركين من الأطفال والشباب.
أن تكون القصة المرشحة:
• محررة باللغة العربية الفصحى ومشكولة، من تأليف شخص واحد
• تأليفا مبتكرا (لا مقتبسا ولا مترجما) غير منشور سابقا ولم يحصل على أية جائزة أدبية بما في ذلك جائزة مصطفى عزوز لأدب الطفل في دوراتها السابقة.
• مرقونة في 05 (خمسة) نظائر و مخزنة في قرص مضغوط دون ذكر إسم المؤلف.
• لا يحق المشاركة في هذه المسابقة لمن فاز في احدى دوراتها الأربعة السابقة.
• لا يمكن لأعضاء لجنة التحكيم المشاركة في المسابقة خلال الدورة التي يعهد إليهم فيها بالتحكيم
• الأعمال المرشحة لا تعاد لأصحابها.
حددت القيمة المالية للجائزة كما يلي :
 الجائزة الأولى: 7000 د ت
 الجائزة الثانية : 4500 د ت
وتخصص للفائزين من الشباب والأطفال جوائز مالية تشجيعية كما يلي:
.جائزتان تشجيعيتان بقيمة 500 د. ت ( للجائزة الواحدة ) لفائدة الفائزين من تلاميذ المعاهد والمدارس الإعدادية.
.جائزتان تشجيعيتان بقيمة 250 د. ت ( للجائزة الواحدة) لفائدة الفائزين من المدارس الابتدائية.
- يتولى البنك العربي لتونس طباعة الأعمال الفائزة ونشرها .
- يتسلم صاحب القصة المطبوعة 50 (خمسين) نسخة ويتعهد بعدم نشرها في جهة أخرى لمدة سنة ابتداء من حصوله على الجائزة
- ترسل الأعمال المرشحة عن طريق البريد على العنوان التالي : البنك العربي لتونس – "الجائزة العربية مصطفى عزوز لأدب الطفل" ص ب عدد 196 المنزه السادس 2091 – في أجل أقصاه 30 جانفي 2013.
- يحتوي ملف الترشح على مطلب محرر من قبل المترشح يذكر فيه رغبته في المشاركة مع ذكر الاسم الكامل ومكان الميلاد والمهنة مع ترجمة ذاتية مختصرة ورقم الهاتف (القار أو الجوال) ، العنوان البريدي، العنوان الإلكتروني إن أمكن وصورة فوتوغرافية حديثة العهد.
- يترتب عن عدم احترام شروط المسابقة إلغاء مشاركة المترشح.
يتم الإعلان عن نتائج مسابقة الجائزة العربية مصطفى عزوز لأدب الطفل 2012 بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف خلال حفل ثقافي يتولى البنك العربي لتونس تحديد موعده ومكانه والإعلان عنه بوسائل الإعلام وإبلاغ الفائزين بواسطة مراسلة مضمونة الوصول.

29‏/10‏/2012

ألوان للحياة

الأحمر كلّ ثلاث ساعات بالتناوب مع البرتقالي. الأصفر والأخضر قبل النوم. الأبيض في الصباح على الريق. الأزرق قبل النوم. في الحجرة ساعة دائرية على الحائط بعقارب فضية. سرير لشخصين. منضدة. ونافذة عليها ستائر سميكة تحجب نور الشمس وعتمة الليل.
ينفث الحساء البني الخاثر بخاره. فيما ترقد تفاحة مقلّمة على الطبق اللامع، بجوار شريحة دائرية من الخبز، لا يتعدّى سمكها ثلاث سنتيمترات، تنتظر من يقضمها. يغطي صدره بالمنديل الوردي كي لا ينسكب الحساء على اللحاف المرقّط. تمسك يده الملعقة. الطبق أمامه في الانتظار.
وعندما تعانق العقربان الفضيان تمام منتصف النهار، بدأ يتناول طعامه، بكلّ عزم. بكل يقين. بكلّ إيمان بأنه لو بقي على هذا النظام وحافظ على المواعيد، واتبّع التوصيات، فسيصبح بحال أفضل. وقد يمتدّ به العمر طويلا. أطول من التوقّعات.
الأحمر والبرتقالي لتلك المنطقة عند الحدود الفاصلة ما بين الفقرات الصدرية والفقرات القطنية. والأصفر والأخضر لتلافي القرح والنزيف المعدي التي يسبّبها كلّ من الأحمر والبرتقالي. أما الأبيض فعلى الريق، لتفادي أعراض آلام الرأس، والإغماء ونقص الشهية. والأزرق عندما يحين موعد نومه، أي عند السابعة والنصف مساء، إذ يجب أن ينام مبكّرا، ليتمكّن من تناول دوائه الأحمر والبرتقالي في موعده، مرّة كلّ ثلاث ساعات.
ينظر إلى منضدته التي تغصّ بالعلب والقوارير الزجاجية، فيشعر بأن سعادته لم تكتمل بعد. تنقصه أمراض لم يشخّصها طبيبه بعد، حتى يجد عدّوا جديدا يحاربه بكلّ بسالة، ليستحق عمره المديد.
روضة السالمي، مجموعة أبعد من اللون