7‏/1‏/2014

A la trace des Roms, une vie de gitans en photo

A la trace des Roms, une vie de gitans en photo, traduction et présentation Raoudha Selmi

voilà, cela fait plus d'un mois que je suis totalement hantée par un rouge si profond et d'un vert sublime, il s'agit des ouvres du photographe danois joakim Eskildsen (né en 1971 à Copenhague) de la série Roma-journey.



Entre 2000 et 2006, joakim Eskildsen et l'écrivain Cia Rinne ont entrepris de voyager dans sept pays différents en vue d’obtenir un aperçu de la vie des Roms et les conditions auxquelles ils sont confrontés. Eten accord avec les différents pays parcourus, le corpus photographique estdivisé en sept séries, dont la séquence correspond à peu près à la chronologiedu voyage.
Lephotographe et l’écrivain ont passé un temps considérable parmi les personnesqu’ils  voulaient photographier afin demieux les connaître.
Audébut ils ont réussi a passé prés de quatre mois chez Magda, une vieille Romehabitant au nord de la Hongrie.
Leursvoyages pour la Roumanie, l’Inde et la Finlande sont le fruit de leur réseau deconnaissances et de contacts personnel. Le voyage pour la Grèce et la Russieétait grâce à l’aide des organisations des droits de l'homme,  et en ce qui concerne le voyage en France ila été effectué à travers les Centre de recherches tsiganes à Paris.
Cesvoyages n'étaient nullement méticuleusement planifiées, néanmoins ils ontpermis à oakim Eskildsen et Cia Rinne àtravers une multitude de coïncidences d'entrer en contact avec les Roms.
La communication avec les roms était directe dans la plupart des pays, chose qui n’était pas possible en Russie et en Inde, puis que les deux protagonistes ont du être accompagné et assisté.
Et c’est ainsi que joakim Eskildsen et l'écrivain Cia Rinne parlent de leur aventure « Nous nous sommes souvent demandé ce qui a déclenché notre intérêt pour les Roms , mais nous avons été incapables de fournir une réponse définitive, et encore moins exhaustive. Ce qui est certain,c'est qu'une fois nous avons commencé, nous étions, tout simplement, incapabled'arrêter de poursuivre le projet. Et plus nous avons découvert les Roms etappris à les connaître, plus notre intérêt pour eux devient grand. »

27‏/12‏/2013

صوت الفجر

صوت الفجر
بقلم روضة السالمي
تونس 2004
تسلل النوم من عيني سميرة... كانت تحلم وقد ضايقها ديك جارتها أم الهاني... صوت الديك قبيح يشبه صاحبته. متحشرج ومعقوف كأنفها... كسعال محتضر.. لا يتميز عنها سوى بالريش... عبثا حاولت سميرة أن تعود لنومها... لم تستطع... فكرت أنه ليس من العدل أن تحرم حتى من نعمة الغياب. وكان هذا الديك يصر على الإيذان بفجر كاذب...
تكورت فوق الحصير. أحكمت إغلاق عينيها.. تكورت أكثر.. حضنت رجليها بيديها المتخشبتين... بدأ الدم يغلي في عروقها رغم أطرافها المتجمدة وخواء معدتها.... من شقوق الباب يدخل الهواء البارد متلويا كأفعى برؤوس سبعة.. كأفعى بأنياب ومخالب.. نقاط الضوء الهاربة من مصابيح البلدية الهزيلة تحاول أن ترسم على الجدران الشهباء ظلالا... والغرفة هادئة...
كان من الممكن أن تتمتع سميرة بالنوم والنسيان لولا ذالك الصياح الذي خرق أذنيها معلنا عن لا شيء.. وكان حلما لذيذا ذاك الذي قطعه ديك أم الهاني... كانت تحلم أنها تأكل لحما.. لحما حقيقيا... سميرة لم تكن بخيلة على نفسها في الأحلام. فكثيرا ما تحلم أنها ترتدي أفخر اللباس. ولا تأكل في الأحلام سوى اللحم. ولا تعطي نفسها غير دور البطولة.. وكانت ستشبع في الحلم لولا صوت الديك المتحشرج المعقوف كأنف صاحبته..
منذ العيد الماضي لم تذق سميرة لحما ولا مرق لحم.. في ذلك اليوم أعطتها أم الهاني قصعة مليئة بالكسكسي تتوسطه لحمة كبيرة.. لحمة حقيقية.. يومها نسيها الجميع.. وحتى هي نسيت نفسها فلم تخرج للشارع كعادتها.. كل انشغل بنفسه. وأم الهاني فقط هي من تذكرها.. وفي هذه الليلة التي لم يغب فيها القمر كان حلمها لذيذا.. تتوسطه لحمة ضخمة بحجم الفيل.. لولا صياح الديك...
تعرف أم الهاني جيدا. تعرفها وتعرف أنها تصبح في بعض الأحيان رقيقة وناعمة كثوب داخلي شفاف.. رأت سميرة أثواب نسائية جميلة مدلاة من حبال الغسيل لكنها لم تفكر يوما في سرقتها... فسميرة لم ترتدي في حياتها ثوبا داخليا...
تعرف أم الهاني جيدا. تعرفها وتعرف أنها تصبح في بعض الأحيان فظة عنيفة وبغيضة إلى أقصى حد.. كأسلاك معدنية شائكة وصدئة.. كتلك التي غاصت في يديها وأدمتهما يوم حاولت التسلل إلى داخل البيت المهجور المغلق بالقوة العامة.. يومها حاولت سميرة معرفة ما بداخل البيت الكبير من باب الفضول لا غير. لكن الأسلاك التي غاصت مليا في يديها ووجهها حالت دون إرواء ظمأها للمعرفة...
وتعرف سميرة أيضا أن أم الهاني بعد أن ترملت بأحد عشر شهرا أخفت مولودها الذي تحول إلى كتلة من اللحم الفاسد في كيس القمامة ووضعته في الظلام تحت جدار الخربة المقابل لوكالتهم المتهدمة... في تلك الليلة أربعة فقط كانوا على علم بذلك السر. أم الهاني. الله. الشيطان. وسميرة التي تعرف أدق الأسرار دون حاجة للسؤال والتي آلمها أن ترى الكلاب تتخطف الجسد المتعفن المرتخي. وهي التي تجاوزت الخمسين ولم يفكر أحد في منحها طفلا. أو النظر إليها على أنها امرأة... أو حتى اغتصابها... كم كانت سميرة ستفرح لو فكر أحدهم يوما ما باغتصابها. كان ذلك سيعطيها على الأقل إحساسا ولو قاسيا بأنوثتها... تلك الأنوثة التي لا تشبه في شيء ما منحته الطبيعة لبنات جنسها..
الخريف بارد ينثر هوائه المشحون كراهية داخل الغرفة.. وتدمي أعواد الحصير المتهرئ ضلوع سميرة.. تدمي جوعها.. وحدتها.. إحساسها بالبرد.. وصوت الديك القذر يحول أعصابها أو ما تبقى منها إلى كتلة متوهجة من الغضب.. إلى إعصار يعصف بكل الصور التي اختزنتها ذاكرتها.. يحولها إلى سيل يجرف كل الآلام والذكريات البعيدة....
تململت سميرة تحت اللحاف. تكورت كقنفد عجوز. ثم نهضت بعزم.. من يعرف سميرة يمكنه دائما أن يتوقع الأسوأ حين تغضب. أما ما يمكنها فعله لو عقدت العزم على أمر ما فثلاثة فقط يمكنهم أن يدركوا ذلك. الله. الشيطان. وسميرة نفسها...
أركان الغرفة الواقعة في سطح الوكالة متهدمة الجوانب متقاربة. على الجدران المتشققة تحاول الأضواء المتسللة من الخارج رسم شيء ما.. تعبير معين. غير أن بقع الضوء تفشل في البقاء طويلا.. تتوحد مع الظلمة وتموت مشنوقة على ما تبقى من الجير.. من الشباك الصغير الذي نجا بلوره من التكسر بأعجوبة بدت بناءات المدينة الغائصة في وحل الخريف كسفينة توشك على الغرق في ذلك الفجر المتضايق. الفجر الذي يغالب الغثيان بعد ليلة صاخبة...
حبل غسيل يقسم الغرفة إلى نصفين غير متساويين... الحبل يتيم ككل ما في الغرفة... ولم تكن سميرة تملك ثيابا لتعلقها عليه. فيقي متأرجحا بين الريح المتسللة من فتحات الباب وتلك التي تتسرب من السقف المفتوح عند الزاوية على سماء بلا نجوم. بلا غيوم. بلا حياء.. لم تكن سميرة تملك ثيابا لتغسلها وتعلقها ثم تنتظر جفافها لتطويها أو ترتديها... لم تكن تملك شيئا أو تكاد. وما كانت لديها الرغبة حقا لتفعل لو كان لديها ثوب آخر غير فستانها العتيق ومعطفها الداكن المفتوح من عدة جهات. لذلك بقي الحبل اليتيم لا يفعل سوى أن يقسم الغرفة لجزأين غير متساويين...
فتحت سميرة الباب بحذر. أضواء البلدية تقاوم النعاس بضوء منكسر. وللهواء رائحة تجمد الأنفاس.. تقطع الأوصال. والفجر بعيد. بعيد.. أبعد من الغد.. ورغم ذلك لم يتوقف الديك عن الصياح بصوته المتحشرج المعقوف. في الجو رائحة ملوثة بالبول والزبالة المتكوّمة على جدران الوكالة... وكان الديك كاذبا في حدسه. وصفيقا كوجه المدينة..
من الخف البلاستيكي الأزرق المتهرئ تخرج أصابع أقدام سميرة كالإخطبوط.. كان خفا مسروقا... سميرة تختار بعناية الأشياء التي تسرقها. وتعمل على أساس قاعدتين لا تحيد عنهما أبدا. أن تسرق ما تحتاجه حقا. وأن تسرق ما يليق بها. لو سرقت حذاءا جديدا أو خفا جميلا لاشتبه في أمرها. لتتبعتها نظرات الجيران. ولتساءلوا همسا وعلانية عن مصدره. وقد يشي بها أحدهم. ويقبضون عليها. وهنالك شيئان تخافهما سميرة ولا تخاف سواهما. أن تنتفي أكوام الزبالة من المدينة. وأن يلقى بها إلى السجن. أما الله أو الشيطان أو المرض أو الآخرين فتلك مسائل ثانوية وليس لدى سميرة ما يكفي من الوقت كي تفكر فيها.
خف سميرة البلاستكي الأزرق الذي وهت أسلاكه وسقطت زهرته الحمراء الاصطناعية لا يصدر صوتا عند المشي... وكان الديك واقفا على حافة السطح مغمضا عينيه. فاردا جناحيه محتضنا الكون الرحيب. يلقي تحيته على من يمكنه الاستمتاع بشدوه المبكر.. مسترسلا في الزعق بأقصى ما يسمح به صوته المتحشرج المعقوف كأنف صاحبته..
مع كل خطوة في اتجاه الديك يتضاعف غضب سميرة. غضب عميق هي نفسها تجهل أسبابه. لكنه غضب يأتي من أعمق نقطة في ذاتها. يشبه الطوفان. يجمع في طريقه كل آلامها. يضغط على قرحة قلبها بكل عنفه. طوفان من القيح والتاريخ المشبع بالليالي السوداء يكاد يخرج من عينيها...
لم ينتبه الديك إلى وجودها. كان مستغرقا في مناجاته الطويلة. معلنا فجرا غير واثق من مجيئه. غير عابئ بالسواد المحيط به. ظل الديك مغمض العينين ومن منقاره الصلب المعقوف كأنف صاحبته ظلت تخرج صيحته الدائمة مبشرة بفجر كاذب... سرت في جسم سميرة الذي لا يشبه أي جسم آخر رعشة جعلت داخلها ينتفض بشدة. وتضاعف حقدها لسبب لا تدركه. أصبح الكون لديها، كل الحاضر والماضي وما سيجيء من أيام وكل الآخرين مشخصا في ديك لم تمنح الطبيعة ريشه من الألوان غير الرمادي.
تقدمت بخفة قط غير أن الديك حين اقتربت أكثر أحس بوجودها. فتح عينيه. قلص جناحيه. وصمت عن الصياح محاولا استيعاب الوقف. نظر أحدهما في عين الآخر برهة... في سماء المدينة المثقل بالنعاس بعض المصابيح ترسلا عبثا أسلاكا من نور باهت مخنوق... تقدمت سميرة بالخطوة الأخيرة. انتفض الديك. كاد يفقد توازنه. رفرف بجناحيه الثقيلين وسقط أرضا. ولم يصدر عنه أي صوت. خانته حنجرته هذه المرة.
تقدمت سميرة أكثر. تألق في عينيها وميض بارد وخاطف... من يعرف سميرة ويرى التعبير الذي اكتسبته عيناها لا بد أن يصاب بالرعب ويتراجع مذعورا. في عينيها موت محقق. شيء يشبه خاتمة الأشياء. يشبه عنف الاحتضار. أو شهوة الثور لطعن القماش في حلبة تغص بالمبتهجين بكل النصال التي تتدلى من ظهره الدامي...
مدت سميرة يديها... أصابعها شاحبة وطويلة كأغصان النباتات المتسلقة... مدت يديها كمن يريد أن يقبض على عنق السماء. كمن يقبض على عنق المدينة والكون وكل الموجودات... الديك ينتفض في الزاوية. صامتا. خانه صوته وفضحه الضوء المرتعش... كان لا بد من المواجهة. وكان يعلم مسبقا أن خاتمته توشك كل لحظة على مد لسانها المشقوق في وجهه. وتقهقه عاليا..
خيوط الضوء تربت برفق على ريش الديك... تعطيه لونا مشرقا رغم الظلام المثقوب برصاص الضوء... ولدى سميرة رغبة كبيرة ملحة في الانتهاء من كل شيء دفعة واحدة... وكان الديك مستعدا رغم جبن صوته على المواجهة. إلى آخر ريشة وآخر رمق.
غير أن لا شيء يثني سميرة عن عزمها... لا شيء بالفعل... من يعرف سميرة حقا يعرف أن لا سبيل لرجوعها عن شيء عزمت عليها...
ووحدهما يعلمان تماما عزم سميرة. الله والشيطان. ولم تكن سميرة لتهتم بهما يوما... مخالبه القوية وهي تمزق يديها المتخشبتين لم تزدها سوى إصرارا... شيء غامض يمتد على طول مشاعرها وفكرها يقطر كآبة لزجة ورغبة في الانتهاء من كل شيء... من صوته البذيء... من وجه أم الهاني المشقق والمعفر بحصى الأيام... من غرفتها واطئة السقف... من الكلاب التي تنكش قمامة أيامها... ومن سميرة في حد ذاتها... من المدينة المخنوقة... ومن الجميع... رغبة عارمة في إسدال الستارة على كل شيء... شيء واحد غامض استحوذ على كل مشاعرها جعلها لا تفكر سوى في الإمساك به من رقبته...
تناثر ريشه على السطح المليء بالكراكيب وكل ما يفيض عن الحاجة. وكاد بمنقاره الصلب أن يفقأ إحدى عينيها. لكن لا شيء كان باستطاعته أن يقف في وجه سميرة حين تعزم على أمر ما... تراقصا على السطح زمنا... لكنها كانت الأقوى. أحكمت قبضتها على عنقه الهزيلة. فازداد هياجه وتضاعف تخبطه. وظل زمنا يضرب وجهها بجناحيه القصيرتين. ويخدش بأظافره يديها وساعديها. لكنها لم تستسلم... تحدت ألمها وألمه. وضغطت أكثر على الحنجرة الصدئة.
خارت قوى الديك. غير أن سميرة استمرت في الضغط أكثر فأكثر... وتحت أصابعها المتيبسة تفتت الحنجرة الواهية. تسللت من بين أصابع سميرة المحكمة حشرجة نحيلة... ثم مات الصوت للأبد... انتهت أغنية الديك ككل الأشياء التي لا بد لها من أن تنتهي... غير أن حفلة سميرة كانت قد بدأت للتو...
جسمه الحار المرتخي بين يديها يزيد من حدة غضبها... أحست أن ما بين يديها ذلك الجسم المرتخي المتدلي بانكسار والذي تفوح منه رائحة عفنة هو كل الآخرين... كل العالم هنا يتدلى من بين أصابعها الدامية... كل الحاضر والماضي والآتي... كل الأشياء البغيضة وحتى الجميلة تتدلى فاقدة للحياة... كل المدينة معلقة برقبتها بين أصابع سميرة الخشنة الدامية...
نظرت إليه مليا. أمسكته من ساقيه فتدلت رأسه مفتوحة العينين كجرح قديم. منقاره المعقوف مفتوح كنصف ابتسامة. وعرفه مرتخي... نظرت إليه مليا. ثم ضربت الرأس على الجدار. ضربته مرة أولى. ثم ثانية فثالثة ورابعة وخامسة. ضاعفت الضرب. وفي المدينة التي تتململ في سريرها بقايا صخب وبقع حمراء وهواء بارد يجوس في الأزقة المظلمة... وعندما اختلط مخه بالطحالب النابتة على السطح. وسال الدم على أصابعها المتسللة من الخف. عندها فقط أحست سميرة بالارتياح...
دخلت غرفتها. رمته أرضا قرب الباب. ثم أخذت الحصير فأخرجته. وضعته أمام الغرفة ثم عادت إلى الداخل. أطرافها دامية وحول جراحها بدأ الدم يتوقف عن النزيف. أخذت الديك بين يديها. أمسكته من جناحيه ورمته خارجا على الحصير المتهرئ. نزعت الحبل من مكانه. ولما لم يكن في الغرفة شيء آخر خرجت مجددا. سوت وضع الحصير ورمت الحبل في المنتصف. وفوقه وضعت الديك برفق هذه المرة. بحثت مليا في جيوب المعطف الذي سقطت آخر أزراره في المعركة. أخرجت علبة ثقاب وبقايا سيجارة. تربعت أرضا أمام الحصير... بعض الضوء بدأ يتسرب من السماء التي فقدت وجهها في مكان ما... بعض الخطوات في الشارع أخذت توقع بدأ يوم جديد. يشبه غيره إلى حد بعيد...
أشعلت سميرة عود ثقاب. تأملته بعض الوقت. ثم رمته على الحصير قبل أن ينطفئ... أشعلت عود ثقاب آخر. أحست بفرح حقيقي. فرح ينسل من داخل الذات.. حقيقي وغير مفتعل. ملأها الضوء المنبعث من العود الهزيل بفرح لم تعتده... تأملته جيدا وأشعلت بقايا سيجارتها. غاب خيط رقيق من الدخان في البرد الصباحي. وبدأ الحصير في اشتعاله الحقيقي. استهوتها اللعبة. فأشعلت عودا ورمته على الديك. ثم عودا آخر. وآخر... أتت على كل ما في العلبة من عيدان كبريت. أخذت نفسا عميقة من سيجارتها. وتأملت الحصيرة التي تأكل ألسنة النار أطرافها. نفثت من فمها الدخان وهي تتأمل ما حولها وكأنها تراه لأول مرة...
أعجبتها لعبة النار فنزعت معطفها ورمته لألسنة اللهب... كتمت ضحكتها كطفل يطل من ثقب الباب على امرأة قبيحة عارية... سرت في الجو رائحة الحريق والريش الملتهب... انتهت سميرة من سيجارتها. رمت العقب في قلب النار. ونزعت فستانها المتهرئ. رمته للنار... ورغم البرد صفيق الوجه لم ترتعش. تصاعد اللهب الراقص... احترق الديك... مدت سميرة يدها عبر اللهب المتصاعد. أمسكت الديك أو ما تبقى منه. غرزت أظافرها في لحمه المسود. ومزقته بأسنانها. ولأول مرة منذ أن ولدت أحست سميرة بالدفء.. رغم أنها لم تكن ترتدي سوى الخف البلاستيكي الأزرق الذي سقطت زهرته الصناعية الحمراء... ولم تسمع في تلك اللحظة سوى سعادة شفتيها وهي تنزلق بوحشية على لحم الديك المتفحم... ولم تنتبه لأقدام أم الهاني على السطح.
من بقايا الحصير انتشر في الأفق لهب أصفر موحل بدأ يخبو تدريجيا. كادت سميرة تحس بالشبع... لولا صوت أم الهاني المتحشرج المعقوف الذي يشبه ديكها... أكملت أكلها كمن يوقن أنها اللقمة الأخيرة. وكادت تتجشأ لولا كف أم الهاني الغليظة التي أطبقت على رقبتها فمنعت الهواء عن رئتيها... سقطت من يدها بقايا الديك وأحشائه... بينما بقيت اليد الأخرى متشبثة بآخر لقمة...
لم تفزع سميرة ولم تندهش.. ومن يعرف سميرة يعرف أن أشياء قليلة ونادرة الوقوع يمكن أن تثير دهشتها... أحست كمن يستفيق من حلم لذيذ. ولم يكن لديها وقت كاف للتفكير في المقاومة... كانت عارية تماما إلا من خف أزرق متهرئ... لم تمهلها أم الهاني كي تستعيد أنفاسها... أم الهاني التي يمكنها في لحظات أن تصير ناعمة ومدهشة كثوب داخلي ناعم.. يمكنها في لحظات أخرى أن تتحول إلى كتلة من موت ومن صديد... سميرة لم تكن في الواقع مهتمة... في تلك اللحظة كان مذاق اللحم في فمها يثير لديها مشاعر دافئة... مشاعر لم تألفها..
بدأ سيل من الضرب والشتائم. وامتلأ السطح بالمتفرجين. لم يكن الأطفال ولا الرجال أو النساء محتاجون ليطلوا من الثقب على امرأة قبيحة عارية كي يضحكوا. كان عريها أمامهم من دون مقدمات. عريا قبيحا. داميا. عريا حقيقيا يتجاوز عري الجسد...
مزقت شعرها المجعد... أدمت وجهها بأظافرها... وأشبعتها عضا وركلا... استسلمت سميرة في البداية... استسلمت كمن يريد أن يتعود على وضع جديد... ثم بدأت في المقاومة تحت تصفيق وتصفير الجمهور المهتاج رغم الجوع والبرد الصباحي وآلاف الآلام... رفست سميرة برجليها النحيفتين المقوستين فاهتز كل جسمها... قاومت بصدرها الأعجف وكرشها الضخمة المتدلية... خدشت بأظافرها. وبصقت من خلال أسنانها النخرة التي مازالت نتف من لحم الديك عالقة بها في وجه أم الهاني... امتلأ السطح بالجيران وتحلقوا حول المرأتين.. قالت عجوز من الحاضرين بصوت واهن حرام عليكم.. غير أن أحدا لم ينتبه إليها فصمتت وعادت تتفرج...
استمر العراك طويلا حتى مل الناس وتفرقوا ولم يبق غير الأطفال... ولم تستسلم سميرة رغم عريها وتعبها... بدا لها وجه أم الهاني يختصر أزقة المدينة المتلفعة بعباءة من أكوام القمامة.... شبيها إلى حد بعيد بوجه الديك ذي الصوت المتحشرج... جمعت آخر قواها ودفعتها بعيدا عنها. لكن أم الهاني كانت تمسكها جيدا وسقطتا على بقايا الحصير الملتهب... بعد ذلك لم تعد سميرة تذكر شيئا... ربما كانت تحلم... غير أن الألم كان موجودا فعلا. ورائحة اللحم المحروق تزكم أنفها... ومن يعرف سميرة جيدا يدرك لا محالة أنها تتحكم في الذاكرة. تستطيع أن تسقط في بئر النسيان كل ما لا تود تذكره. وكذلك فعلت مع ما تلا ذلك الفجر من أحداث... ومن يعرف سميرة يدرك أنها تفعل ذلك كي تستطيع البدء من جديد..
بقلم روضة السالمي، تونس 2004، من مجموعة لاشيء في السماء

14‏/11‏/2013

أبنوس وعاج

أبنوس وعاج
جلس منتصبا يلتحف السواد. مدّ أصابعه الطويلة. أغمض عينيه. وضغط برفق على الأصابع البيضاء الرقيقة الممتدّة أمامه. أحسّ برجفة في أطرافه. وسرى الدفء في الأصابع البيضاء الباردة، فانسجمت مع حركات أصابعه الرشيقة، وغمرت المكان أصوت هامسة تشي بالنشوة. وسرت رعشة في الأوصال.
استعمل كلّ جسده للتعبير عما يخالجه من مشاعر. وتوهّجت عيناه من السعادة. عمّت البهجة أرجاء المكان. رقص نوّاس الساعة. وغمز الضوء بعينه الدامعة المتلألئة. أغراه السواد في التوغّل في أعماق الحلم. لامس اللون برفق. فتردّدت أصداء هامسة. تقوّس ظهره. اختلجت أصابعه، وكأنها لامست جمرا ملتهبا. تراقصت في امتداد أفقي. تلاقت. تباعدت. ثم عادت لتتعانق. نشجت الساعة. وغرق الضوء في حزنه. انقبضت أوتار القلب واهتزت. فارتمى على سجادة المشاعر العميقة الخافتة مليئا بالبهجة.
وفي لحظة خاطفة تعانق العاج والأبنوس. وسرت الذبذبات في كلّ اتجاه. والتقت في نقطة وسطى. لا تنتمي لشمال أو جنوب. لم تحدّدها سوى ملامح خشب اللحظة الخافتة. وبعد أن استكانت لغة المشاعر. وقف. ثم انحنى قليلا واختفى خلف الستارة الحمراء التي أجهشت بالبكاء.
من مجموعة "أبعد من اللون"- روضة السالمي- تونس

18‏/6‏/2013

تجاعيد القمر

تجاعيد القمر

يستند على جدار كوخه يرقّع شبكة أيامه. يمسك إبر الماضي ويمرّرها بين ثقوب الذاكرة.. تحاول يده المرتعشة أن تتحسّس طريقها في الشبكة المتهرئة. وحين تتعب أصابعه المتخشّبة، يسرح بنظره في الأزرق الممتدّ أمامه. ويتنهّد ككلّ مرة.. "حتى الألوان فقدت ألوانها.." يقول في صمت.. ثم يتساءل في داخله "أم تراني نسيت شكل اللون الأزرق؟.."
منذ سنين لم يركب زورقا للصيد. وحين يشتدّ به الشوق، يمسك آخر شباكه، ويرقّع ثقوب الحكايات بخيط من الصبر والخيال..
تدخل زوجته، عروس البحر. تلك التي اصطادها ذات قمر. وأعطاها شبابه لقاء أن ترضاه عريسا. تداعب رأسه بحنان، وتسأل:
- هل ندمت على مهرك لي؟
- ندمت على عمري الذي ضاع قبل أن ألقاك..
يجيبها
- فلماذا إذن ترقع شباكك أيها الصياد؟
تسأله
- كي أعيدك إلى البحر الذي خرجت منه.
يقول العجوز
- لكنني نسيت العوم.
تجيبه عروس البحر
- ستتذكّرينه حين تدخلين الأعماق معي.. سنتذكّر لونه، وتعلق بنا رائحته.
يجيبها مطمئنا
تجلس قربه، تستند على الجدار، تمسك طرف الشبكة، وتأخذ منه عدة الخياطة. وشيئا فشيئا يستعيد وجهها تجاعيد القمر. وحين تتعب أناملها المتخشّبة مسك خيط الماضي، تتأمل مثله الأزرق الممتد. وتفكّر بصمت بأن هذا الأزرق الذي أمامها لا يشبه ذاك الذي سبحت فيه ذات قمر عندما تركت نفسها للسندباد يضعها في شباك قلبه.

روضة السالمي، تونس، نوفمبر 2010

15‏/5‏/2013

لكي تعيش طويلا وسعيدا - نصائح زوجية مجرّبة

نصيحة لكلّ رجل يريد أن يعيش طويلا وسعيدا، اتبع الطريقة التالية، فقد نفّذها زوجي وهي ما تنفكّ تثبت نجاعتها منذ عشر سنين:
- إن كنت ممّن لهم صبر على الدراسة، سجّل نفسك في أي دورة تدريبية، أو ماجستير، أو بحث، فلن تجرأ زوجتك على مقاطعتك وأنت منكب على الكتب والمراجع، حتى وإن فشلت في إتمام دورة فليس ذلك بمهمّ، عذرك أن صراخ الأطفال يزعجك ويمنع عنك التركيز، ولتعويض ما فاتك سجّل في دورات جديدة، زوجتك المصون لا يرضيها طبعا أن تكون حجر عثرة أمام تحقيق طموحك العلمي اللامتناهي،
- اشغل نفسك بمتابعة البرمجيات الالكترونية الحديثة، قم بتنزيلها وتجربتها، فهذه البرمجيات لا تنتهي، كما أنها تأخذ وقتا طويلا لتتعلّمها أو لتحذفها من جهاز الكمبيوتر، زوجتك طبعا لا يرضيها أن تكون سببا في ظهورك بمظهر المتخلف التقني أمام زملائك، وغير المواكب للتحديثات،
- قم ببحث طويل عن موضوع ما، في أي مجال كان، ابحث عنه في الكتب والمراجع والمجلات، والانترنات، فالمواضيع لا تنتهي، وبهذا الشكل تضمن خلوة لا متناهية مع نفسك وكتبك وجهاز الكمبيوتر، زوجتك لن يرضيها أن تكون غير مثقف وغير ملمّ بكلّ أحداث الساعة، أو اللحظات الحاسمة في تاريخ البشرية، ستكون فخورة بك عند الاجتماعات العائلية، وستسعد عند إفحامك لخصومك وقهرهم بالمعلومة المؤكدة المقترنة بالدلائل والقرائن التي لا تدحض،
- لا تلتقي بأصحابك في المقهى، بل استعمل السكايب أو المواقع الاجتماعية، ومن الضروري أن تعرف زوجتك أنّ أصحابك لا يهتموّن إلا بالعلم والبحث والثقافة، وطبعا هي لن تقاطعك بل ستعدّ لك القهوة متى تطلبها، وستعطيك دواء أوجاع الرأس وربما ستدلك رقبتك لأن البحث شاق ومضني،
- لا تحدّثها سوى عن طموحك في المعرفة وتوقك إلى الفهم، حدّثها عن معادلات رياضية صعبة، أو توازنات اقتصادية عالمية معقّدة، عن وقائع تاريخية ضاربة في القدم، لن تجرأ على مقاطعتك أو فتح فمها للحديث في أشياء تافهة تنزل بمستوى النقاش إلى حديث العامة،
ما ستربحه هو الآتي:
- لن يسع زوجتك إلا التعبير عن احترامها وتقديرها لشخصك - رغم إحساسها بالقهر في داخلها – ولكن ذلك غير مهم فهي لن تجرأ أبدا على الوقوف حجر عثرة أمام موهبة علمية فّذة تحاول إثبات نفسها،
- ستستريح من طلباتها المتكرّرة بمساعدتها في أعباء البيت من شراء بقالة، أو رعاية بالأبناء، أو الاهتمام بكلّ المسائل التافهة الأخرى من قبيل الاتصال بالسمكري، أو الطبيب، أو الميكانيكي، أو التصرّف في ميزانية البيت،
- ستعيش طويلا وسعيدا ولن يصيبك الزهايمر، ويمكنك بعد أن تنتهي من كلّ معارف الأرض أن تتزوّج شابة تعيد إليك صباك، بعد أن يكون الأولاد قد كبروا، وتوفيّت زوجتك بالسكري وضغط الدم أو الجلطة.
روضة السالمي، من مجموعة "أريكة الزوجية" ، تونس 15 ماي 2013

2‏/4‏/2013

كيف أصبحت بدينة

كيف أصبحت بدينة فتحت الانترنات فانهالت عليّ كميات كبيرة من الطماطم. تلك الثمرة الحمراء العجيبة. التي تختزن في داخلها أسرارا من اللذة اللامتناهية. كان من أرسلها شخصا عزيزا على قلبي. فقرّرت أن أستفيد من هديته الرائعة العجيبة قبل أن يصيبها العطن. وطبعا فكّرت في الكمّ الهائل من الوصفات اللذيذة التي يمكنني تنفيذها بفضل هديتي النفيسة.
لم تبخل عليّ مناطق حوض البحر الأبيض المتوسّط بوصفاتها. فرحلت أنهل منها بكلّ سعادة. تخيّل نفسك ملكا متوجا على شعب من طماطم. ستجعل بعضه صلصة، والآخر عصيرا، ومرقا، وسلطة، وكلّ ما تتخيّله معدتك المستنفرة لتجرّب كلّ الوصفات المتاحة على الانترنات.
في البداية بحثت عن وصفات فرنسية. اعتقادا بأن المطبخ الفرنسي الراقي سيوفي الطماطم حقّها. غير أنّ ما نفذته من وصفات – مع كلّ التغييرات التي أحدثتها عليها، بسبب عدم توفّر بعض المكوّنات، وتعويضها بمكوّنات أخرى – لم يرضي نهمي للطماطم. ومع المطبخ الفرنسي جرّبت الطماطم المحشوة (Tomates farcies) باللحم المهروس والأرز، وجرّبتها بالجبنة البيضاء والبيض، وجرّبتها بالبطاطا والبقدونس. وجرّبتها باللحم المهروس ورقائق اللوز، وجرّبتها بمزج كلّ الوصفات معا. وكانت النتيجة أولّ كيلو غرام فائض عن الحاجة يسكن كيس جسدي.
في الواقع ذلك الفيض من الدهون، إنما هو خلاصة محبّة الطماطم المحشوة، الممزوجة بالبهارات، والمطبوخة بحبّ وعناية في الفرن، أو المقلية في الزيت والزبدة، أو المسلوقة على قدر من حساء الخضر. لذلك فأنا في هذه المرحلة الحالية لا أعير هذه الزيادة اهتماما كبيرا.
ولكّن المطبخ الفرنسي، رغم روعته، ترك لي جوعا ذهنيا كبيرا. فكوني من تونس، لا ترضى معدتي الأكل دون تغميس. ولا تقبل أصابعي إلا أن تلامس مكوّنات الطبق، ولا أرضي إلا بأن ألعق أصابعي بعد كلّ لقمة أدخلها إلى فمي. إنّ الأكل دون خبز يشبه الحرمان العاطفي. تخيّل نفسك ترسم لوحة فنية دون أن تغمس فرشاة في سطل الدهان. الخبز بالنسبة إليّ هو تلك الفرشاة السحرية، التي تمزج الألوان والأشكال ببراعة، وتطرحها على قماشة اللوحة فتغذّي كلّ مسامك بنشوة عارمة.
رحلتي مع الطماطم المحشوة كانت ممتعة. تخيّل نفسك تمسك حبّة الطماطم متلألئة الحمرة، تقبض عليها بين راحتك، تداعب نعومة قشرتها الرقيقة. وتأمّل تلك اللحظة الحاسمة، اللحظة الفاصلة، وأنت تمسك السكين بيد، وتثبّت حبّة الطماطم باليد الأخرى. وتمعّن في شعورك الرائع وأنت تقسمها إلى شطرين، فيتبدى أمامك لبّها، أزرار يتأرجح لونها ما بين الأبيض والبرتقالي، ويعوم في عصارة زهرية لزجة.
تلك الأزرار وتلك العصارة هي سرّ الطماطم. سرّ خلودها. وسرّ استمرارها في العطاء. هل جرّبت ذلك الشعور بالارتياح وأنت تلقي تلك الأزرار مع العصارة فوق التربة لتغمرك السعادة، بعد أيام أو أسابيع، وأنت تكتشف في نفس المكان الذي رميت فيه عصارة حياة الطماطم، براعم خضراء، تطلّ برأسها المزهوّ، مبشّرة بدورة حياة جديدة تبدأ خضراء، فصفراء، لتتحوّل في رقّة ونعومة إلى حمراء لامعة.
مهما كان شكلها، مستديرة مكتنزة كأجسام نساء البحر الأبيض المتوسّط أو المكسيك، مائلة للطول كأجسام الأوروبيات أو الأمريكيات، صغيرة مثل الآسيويات. الطماطم هي أكثر الثمار جاذبية وذكاء على الإطلاق. والدليل على ذلك أنها تركت مكانها لبقيّة الثمار والغلال، ونزلت على عرش الخضر الذي توّجها ملكة عليه. أوَ ليست الطماطم ملكة المطابخ بلا منازع. أوَ ليست الطماطم مرادفة للحياة. ألم تسمعوا مثلما سمعت، بذلك المواطن المصري البسيط ،الذي طعن زوجته إلى حدّ الموت، لأنها ألحت عليه في طلب الطماطم. فالمسكين عندما لم يستطع توفير ثمن كيلو من الطماطم ليضمن سعادته الزوجية، هانت عليه حياة زوجته، فقد كانت حياته وحياتها أرخص من ثمن كيلو طماطم.
يكفينا من التشاؤم ولنعد إلى معشوقتنا البومودورو. عشقي للغة الايطالية لا يضاهيه إلا عشقي للمطبخ الإيطالي وملكته المتوّجة. ألستم معي في الاعتقاد بأنّ ألوان العلم الايطالي الثلاثة إنما هي ألوان أشهر طبق في العالم. الأبيض هو لون الباستا أو المعكرونا. والأحمر هو لون البومودورو، أو التفاح الذهبي حسب الترجمة الحرفية للكلمة، يعني الطماطم، قوام كلّ الوصفات الحقيقية الضاربة في القدم. والأخضر، هو لون الريحان، تلك اللمسة الرشيقة من يد السيدة الإيطالية وهي تضع أوراق الريحان في طبق المعكرونة بالطماطم والريحان (Spaghetti al pomodoro e basilico) حالما يصبح جاهزا، وكأنها توقّع تحفة فنية رائعة.
المطبخ الإيطالي ينتمي إلى كوكب آخر. كوكب نجومه الذهبية المتلألئة هي طماطم ذهبية، أمطاره معكرونة، وهوائه ريحان. وقد جرّبت كلّ وصفات المعكرونة الطويلة، القصيرة، على شكل قوقعة، على شكل لولب، باللحم، بالخضار، بالجبة، بالسلطة. كلّ أطباق المعكرونة تنحني إجلالا أمام حضرة الطماطم. وأنا كذلك رغم ارتفاع وزني ثلاث كيلو هذه المرّة. وكان علي أن أسرع، فكميات الطماطم الهائلة التي تلقيتها توشك أن يصيبها العفن.
طبعا لم يكن هنالك من بدّ من العودة إلى الأصل. إلى المنبع. إلى الجذور. لا يمكن تخيّل مطبخ يناسب أهوائي أكثر من المطبخ التونسي. تلك الوصفات التونسية الرائعة التي تعرف كيف تدلّلني، كيف تدغدغ أنفي، كيف تثير نكهات وروائح وذكريات تؤسس كياني. تلك الوصفات البسيطة والرائعة التي رأيت أمي تمارس طقوسها بهدوء وسكينة. وتلك التي ابتكرها واستوحيتها من خيالي. الطماطم في تونس طبق رئيسي في حدّ ذاته. ألم تصادف يوما تونسيا مهموما يتحدّث عن حياته فيقول بأن حياته تحوّلت إلى سلطة، وما هي السلطة سوى طماطم تضاف إليها بعض المكوّنات الأخرى.
أعرف أناسا، وأنا منهم، في الموسم الحقيقي للطماطم، أي في الصيف، بعد أن تكون تلك الحبّات العجيبة الحمراء قد تشرّبت كلّ دفئ الشمس على عكس طماطم البيوت المكيّفة، يجعلون من الطماطم سلاحهم أمام غلاء المعيشة. فيأكلونها نيئة مع الخبز وقليل من الملح. يصنعون منها سلطة مع بعض البصل إذا لم يتوفّر ثمن الخيار والفلفل. يعصرونها ويطبخون بها مرقا من دون لحم. يجفّفونها. يشوونها على الفحم مع الفلفل فيصنعون سلطة مشوية، تنسيك هموم الدنيا.
السلطة المشوية، والمقلي، والمعكرونة بالصلصة، هي بهجة الصيف، وبهجة البطن التونسي. فالسلطة المشوية هي لوحة فنية يمتزج فيها لون الطماطم الأحمر بعد أن خرجت من جمر الفحم، مع خضرة الفلفل وبياض البصل والثوم، دون أن ندخل في تفاصيل البهارات. وإن كنتم مصرّين على المعرفة، فسرّ المرأة التونسية هو التابل ورأس الحانوت، وزيت الزيتون عندما تختلط هذه المكوّنات السحرية في أي طبق وتسيل على أي مزيج جوهره الطماطم، فكن واثقا بأنّ لعاب كلّ من يشمّ الرائحة ويرى بهجة الطبق ستسيل.
وسرّ السلطة المشوية الكثير من الصبر أمام لفح الجمر. الصبر الجميل وأنت تقلّب الطماطم على النار برفق كي لا تتفحّم، وأنت تنتزع القشرة المحترقة عن الطماطم والفلفل اللاسع والبصل، ذلك الصبر ستكافئ عليه عندما ترى الفرحة ترتسم على وجه كلّ يتذوّق أطباقك العابقة بالطماطم والمحبّة.
أمّا سرّ المقلي فهو الصبر على لسعة الزيت المتطاير. هو الانتشاء بموسيقى المقلاة وهي تحتفل بالفلفل ومن بعده بالطماطم. سيمفونية الصيف تمرّ حتما عبر الزيت الساخن وهو يعانق حبّات الفلفل اللاسعة ومن بعده أرباع الطماطم.
المقلي، هذا الطبق العجيب الذي تتغذّى عليه أغلب الأسر التونسية صيفا، يمكن أن يتوسّع ليشمل البطاطا والقرع والباذنجان والبيض فيصبح صحن كفتاجي، خلاصة التجربة الحياتية التونسية، سرّ من أسرار ثقافتها المتعدّدة، تجد آثار الغزاة، واستماتة السكّان الأصليين في الالتحام بجذورهم. لا يمكن أن تجد هذا الطبق في أي مطبخ آخر، لأنه ببساطة طبق تونسي.
هنالك أصول يجب إتباعها لإنجاح هذه الوصفة. هذه الأصول توشوشها كلّ أمّ ترغب في أن تجيد ابنتها الطبخ. سرّ البيضة المقلية الجميلة، التي يكون أصفرها في الوسط تماما، وتحيطها هالة من بياض أملس، هو أن تترك الزيت يحمى قليلا، ثمّ تضع البيض بسرعة ورفق، تحرّك الزيت بالملعقة برفق وكأنك تجدّف بهدوء في بركة صافية ذات مساء مقمر، تحرّك الزيت لتغمرها به، وكأنك تحمي طفلا رضيعا، بهدوء وحذر تغمره بالميته الدافئة كي لا يبرد، ثمّ قبل أن يصدر الزيت ضجّته المحبّبة، تخرج البيضة من المقلاة بسرعة ورفق، تضعها في الوعاء البلوري بحنان وكأنك أخرجت ذلك الطفل من حوض الاستحمام ولففته جيدا وتركته لينام بهدوء ووداعة.
يأتي دور البطاطا، تقطّعا في شكل أعواد أو دوائر حسب الرغبة، لأنك ولا شكّ ستترك بعضا منها لتزيين الصحن. تنتظر قليلا قبل أن تضعها في المقلاة، الوقت الكافي كي تدرك بحدسك أنّ الزيت أصبح مهيئا لاحتضان البطاطا وتدليلها حتى يصبح لونها ذهبيا. حينئذ تخرجا من المقلاة لتضعها قرب البيض المقلي. القرع في شكل مستطيلات إن كان قرعا أحمر، أو دوائر إن كان قرعا أخضر، يمكنك مزج الأحمر والأخضر في نفس الصحن، ليست هنالك قواعد صارمة في هذه المسألة. فالكفتاجي لوحة فنية يمكنك أن تضع فيها ما تريده من ألوان وأشكال. ثم تقطّع الباذنجان وترميه في المقلاة بسرعة قبل أن يتغيّر لونه.
بعد هذه الخضر ذات المذاق الهادئ يأتي دور الفلفل. ذالك الأخضر الحرّيق، الذي يرفع إلى السماء السابعة ثم ينفضك أرضا. ذلك المذاق الذي يشعلك تصرخ، وفي بعض الأحيان تلهث، يمكنك أن تستعمل الفلفل اللاذع مع الفلفل الحلو فتجد توازنا بين لذتين، وأخيرا يأتي دور الطماطم. في نفس المقلاة التي تشرّبت مذاقات المكوّنات الأخرى تغتسل الطماطم في صخب محبّب، وكأنهن هنديات يغتلسن في نهر الغانج، فيتطهّرن ويكتسبن أرواحا جديدة. نفس الشيء يحدث مع الطماطم. تدخل أبراجا، مزهوة بحمرتها، فتخرج وقد انفصلت عنها قشرتها وتحوّل لونها الزاهي إلى حمرة تميل إلى البرتقالي، وكأنّها الشمس تميل إلى الغروب، أو رجل اكتسب حكمة الكهولة، بعد أن عاش مغامرات الشباب.
تصوّر نفسك بعد أن قليت كلّ المكوّنات تمسك بسكينين فتقطع هذه الخضر التي تستسلم بلذة للسكين تشقها في كلّ اتجاه. هل تعجّبت يوما من قدرة سكاّن قارة آسيا من صينيين ويابانيين على استعمال عودين لتناول الطعام، كن واثقا من أن مشهد أي تونسي وهو يستعمل سكينين في نفس الوقت لتقطيع الخضروات المقلية هو مشهد في غاية من الجمال. ثم تأمّل حركة اليدين وهي تضيف قطعا من البصل والبقدونس ورشّة من التوابل، وبعضا من الكبد المقلي أو السمك لمن استطاع إلى ذلك سبيلا.
إنها مشاهد على بساطتها تحمل في عمقها شغفا بالحياة، ورغبة في الأخذ من كلّ شيء بطرف. ورغبة في تلوين الموجودات، والغرق في بحر من اللذة الحسية والوجودية.
الأطباق التونسية فيها الكثير من الصبر والمحبّة، ولولاهما لما وصلت إلينا اليوم أسرار الملوخية التي يستمر طبخها أكثر من سبع ساعات، والطاجين بين النارين، والمدفونة، تلك الأكلة العجيبة التي بقيّت سرّا مستغلقا على فتيات الجيل الحالي. والسرّ في محبّة الجميع للنساء العجائز واحترامهنّ. ليس فقط لأنهنّ البركة وذاكرة الأمّة، وإنما لأنهنّ يمسكن أسرار المطبخ التونسي البربري المتجّذر في لاوعي التونسيين المستعربين أو المتفرنسين. إنّهن يعرفن كيف يصنعن البسيسة، وكيف يكسكن الكسكسي والمحمّص والحلالم، ويعددن العصبان، والمرقاز، والملثوث، تلك الوصفات الأسطورية، التي تجعل منك تونسيا.
ومهما ابتعدت عن وطنك، فطريق ذكرياتك يمرّ حتما عبر أنفك، الذي يختزن روائح شربة الفريك أو الدشيش بالكبّار، والبريك بالعضمة، وأمك حورية، والسلاطة المشويطة، وسلاطة البلانكيط، والكسكسي بكلّ تقلّباته وأمزجته.
الكسكسي بالحوت (السمك)، بالخضر، بالعلوش، بالقديد، بالدجاج، بالرغيدة. مهما تغّرت وصفاته، فالكسكسي التونسي الحقيقي لونه أحمر مثل العلم. ولون الطماطم. ولون الحياة. المطبخ التونسي لونه أحمر بامتياز، والأطباق المصنوعة من الكركم أو الزعفران، إنما هي أطباق وافدة، أطباق البلدية، سكّان العاصمة، بقايا من خدموا الأتراك. ومن يأكل من غير طماطم، يفقد لذّة الأكل. هو على الأرجح شخص مريض. الأصحاء يحبّون الأطباق المبهجة، الغارقة في حمرتها، الغارقة في زيت الزيتون. أغلب الأطباق سواء التي تؤكل بالخبز أو بالملعقة في تونس لونها أحمر. وكلّ المرق مهما كانت مكوّناته إنما هو في الأصل خلاصة طماطم. ألم أقل بأنّ الطماطم هي نهر من اللذة. وعندما أبحرت في هذا النهر، جرفني تيار اللذة، ورماني على الشاطئ وقد أوشك وزني على التضاعف. ولكن ماذا أفعل مع هذا الصديق العزيز القادم من بعيد والذي عنّ له في أحد الأيام أن يرشقني بكلّ طماطم الكون؟ هل سأترك هديتي من دون أن أوفيها حقّها؟ طبعا لا. لذلك قرّرت أن أعيد إرسال ما تبقى من طماطم كي يشاركني الاستفادة من هذه الهدية الرائعة. وقبل أن أتحوّل إلى فيل، لأنني الآن تحوّلت إلى جاموسة.
بقلم روضة السالمي، تونس 02/04/2013

كيف أصبحت بدينة

كيف أصبحت بدينة فتحت الانترنات فانهالت عليّ كميات كبيرة من الطماطم. تلك الثمرة الحمراء العجيبة. التي تختزن في داخلها أسرارا من اللذة اللامتناهية. كان من أرسلها شخصا عزيزا على قلبي. فقرّرت أن أستفيد من هديته الرائعة العجيبة قبل أن يصيبها العطن. وطبعا فكّرت في الكمّ الهائل من الوصفات اللذيذة التي يمكنني تنفيذها بفضل هديتي النفيسة.
لم تبخل عليّ مناطق حوض البحر الأبيض المتوسّط بوصفاتها. فرحلت أنهل منها بكلّ سعادة. تخيّل نفسك ملكا متوجا على شعب من طماطم. ستجعل بعضه صلصة، والآخر عصيرا، ومرقا، وسلطة، وكلّ ما تتخيّله معدتك المستنفرة لتجرّب كلّ الوصفات المتاحة على الانترنات.
في البداية بحثت عن وصفات فرنسية. اعتقادا بأن المطبخ الفرنسي الراقي سيوفي الطماطم حقّها. غير أنّ ما نفذته من وصفات – مع كلّ التغييرات التي أحدثتها عليها، بسبب عدم توفّر بعض المكوّنات، وتعويضها بمكوّنات أخرى – لم يرضي نهمي للطماطم. ومع المطبخ الفرنسي جرّبت الطماطم المحشوة (Tomates farcies) باللحم المهروس والأرز، وجرّبتها بالجبنة البيضاء والبيض، وجرّبتها بالبطاطا والبقدونس. وجرّبتها باللحم المهروس ورقائق اللوز، وجرّبتها بمزج كلّ الوصفات معا. وكانت النتيجة أولّ كيلو غرام فائض عن الحاجة يسكن كيس جسدي.
في الواقع ذلك الفيض من الدهون، إنما هو خلاصة محبّة الطماطم المحشوة، الممزوجة بالبهارات، والمطبوخة بحبّ وعناية في الفرن، أو المقلية في الزيت والزبدة، أو المسلوقة على قدر من حساء الخضر. لذلك فأنا في هذه المرحلة الحالية لا أعير هذه الزيادة اهتماما كبيرا.
ولكّن المطبخ الفرنسي، رغم روعته، ترك لي جوعا ذهنيا كبيرا. فكوني من تونس، لا ترضى معدتي الأكل دون تغميس. ولا تقبل أصابعي إلا أن تلامس مكوّنات الطبق، ولا أرضي إلا بأن ألعق أصابعي بعد كلّ لقمة أدخلها إلى فمي. إنّ الأكل دون خبز يشبه الحرمان العاطفي. تخيّل نفسك ترسم لوحة فنية دون أن تغمس فرشاة في سطل الدهان. الخبز بالنسبة إليّ هو تلك الفرشاة السحرية، التي تمزج الألوان والأشكال ببراعة، وتطرحها على قماشة اللوحة فتغذّي كلّ مسامك بنشوة عارمة.
رحلتي مع الطماطم المحشوة كانت ممتعة. تخيّل نفسك تمسك حبّة الطماطم متلألئة الحمرة، تقبض عليها بين راحتك، تداعب نعومة قشرتها الرقيقة. وتأمّل تلك اللحظة الحاسمة، اللحظة الفاصلة، وأنت تمسك السكين بيد، وتثبّت حبّة الطماطم باليد الأخرى. وتمعّن في شعورك الرائع وأنت تقسمها إلى شطرين، فيتبدى أمامك لبّها، أزرار يتأرجح لونها ما بين الأبيض والبرتقالي، ويعوم في عصارة زهرية لزجة.
تلك الأزرار وتلك العصارة هي سرّ الطماطم. سرّ خلودها. وسرّ استمرارها في العطاء. هل جرّبت ذلك الشعور بالارتياح وأنت تلقي تلك الأزرار مع العصارة فوق التربة لتغمرك السعادة، بعد أيام أو أسابيع، وأنت تكتشف في نفس المكان الذي رميت فيه عصارة حياة الطماطم، براعم خضراء، تطلّ برأسها المزهوّ، مبشّرة بدورة حياة جديدة تبدأ خضراء، فصفراء، لتتحوّل في رقّة ونعومة إلى حمراء لامعة.
مهما كان شكلها، مستديرة مكتنزة كأجسام نساء البحر الأبيض المتوسّط أو المكسيك، مائلة للطول كأجسام الأوروبيات أو الأمريكيات، صغيرة مثل الآسيويات. الطماطم هي أكثر الثمار جاذبية وذكاء على الإطلاق. والدليل على ذلك أنها تركت مكانها لبقيّة الثمار والغلال، ونزلت على عرش الخضر الذي توّجها ملكة عليه. أوَ ليست الطماطم ملكة المطابخ بلا منازع. أوَ ليست الطماطم مرادفة للحياة. ألم تسمعوا مثلما سمعت، بذلك المواطن المصري البسيط ،الذي طعن زوجته إلى حدّ الموت، لأنها ألحت عليه في طلب الطماطم. فالمسكين عندما لم يستطع توفير ثمن كيلو من الطماطم ليضمن سعادته الزوجية، هانت عليه حياة زوجته، فقد كانت حياته وحياتها أرخص من ثمن كيلو طماطم.
يكفينا من التشاؤم ولنعد إلى معشوقتنا البومودورو. عشقي للغة الايطالية لا يضاهيه إلا عشقي للمطبخ الإيطالي وملكته المتوّجة. ألستم معي في الاعتقاد بأنّ ألوان العلم الايطالي الثلاثة إنما هي ألوان أشهر طبق في العالم. الأبيض هو لون الباستا أو المعكرونا. والأحمر هو لون البومودورو، أو التفاح الذهبي حسب الترجمة الحرفية للكلمة، يعني الطماطم، قوام كلّ الوصفات الحقيقية الضاربة في القدم. والأخضر، هو لون الريحان، تلك اللمسة الرشيقة من يد السيدة الإيطالية وهي تضع أوراق الريحان في طبق المعكرونة بالطماطم والريحان (Spaghetti al pomodoro e basilico) حالما يصبح جاهزا، وكأنها توقّع تحفة فنية رائعة.
المطبخ الإيطالي ينتمي إلى كوكب آخر. كوكب نجومه الذهبية المتلألئة هي طماطم ذهبية، أمطاره معكرونة، وهوائه ريحان. وقد جرّبت كلّ وصفات المعكرونة الطويلة، القصيرة، على شكل قوقعة، على شكل لولب، باللحم، بالخضار، بالجبة، بالسلطة. كلّ أطباق المعكرونة تنحني إجلالا أمام حضرة الطماطم. وأنا كذلك رغم ارتفاع وزني ثلاث كيلو هذه المرّة. وكان علي أن أسرع، فكميات الطماطم الهائلة التي تلقيتها توشك أن يصيبها العفن.
طبعا لم يكن هنالك من بدّ من العودة إلى الأصل. إلى المنبع. إلى الجذور. لا يمكن تخيّل مطبخ يناسب أهوائي أكثر من المطبخ التونسي. تلك الوصفات التونسية الرائعة التي تعرف كيف تدلّلني، كيف تدغدغ أنفي، كيف تثير نكهات وروائح وذكريات تؤسس كياني. تلك الوصفات البسيطة والرائعة التي رأيت أمي تمارس طقوسها بهدوء وسكينة. وتلك التي ابتكرها واستوحيتها من خيالي. الطماطم في تونس طبق رئيسي في حدّ ذاته. ألم تصادف يوما تونسيا مهموما يتحدّث عن حياته فيقول بأن حياته تحوّلت إلى سلطة، وما هي السلطة سوى طماطم تضاف إليها بعض المكوّنات الأخرى.
أعرف أناسا، وأنا منهم، في الموسم الحقيقي للطماطم، أي في الصيف، بعد أن تكون تلك الحبّات العجيبة الحمراء قد تشرّبت كلّ دفئ الشمس على عكس طماطم البيوت المكيّفة، يجعلون من الطماطم سلاحهم أمام غلاء المعيشة. فيأكلونها نيئة مع الخبز وقليل من الملح. يصنعون منها سلطة مع بعض البصل إذا لم يتوفّر ثمن الخيار والفلفل. يعصرونها ويطبخون بها مرقا من دون لحم. يجفّفونها. يشوونها على الفحم مع الفلفل فيصنعون سلطة مشوية، تنسيك هموم الدنيا.
السلطة المشوية، والمقلي، والمعكرونة بالصلصة، هي بهجة الصيف، وبهجة البطن التونسي. فالسلطة المشوية هي لوحة فنية يمتزج فيها لون الطماطم الأحمر بعد أن خرجت من جمر الفحم، مع خضرة الفلفل وبياض البصل والثوم، دون أن ندخل في تفاصيل البهارات. وإن كنتم مصرّين على المعرفة، فسرّ المرأة التونسية هو التابل ورأس الحانوت، وزيت الزيتون عندما تختلط هذه المكوّنات السحرية في أي طبق وتسيل على أي مزيج جوهره الطماطم، فكن واثقا بأنّ لعاب كلّ من يشمّ الرائحة ويرى بهجة الطبق ستسيل.
وسرّ السلطة المشوية الكثير من الصبر أمام لفح الجمر. الصبر الجميل وأنت تقلّب الطماطم على النار برفق كي لا تتفحّم، وأنت تنتزع القشرة المحترقة عن الطماطم والفلفل اللاسع والبصل، ذلك الصبر ستكافئ عليه عندما ترى الفرحة ترتسم على وجه كلّ يتذوّق أطباقك العابقة بالطماطم والمحبّة.
أمّا سرّ المقلي فهو الصبر على لسعة الزيت المتطاير. هو الانتشاء بموسيقى المقلاة وهي تحتفل بالفلفل ومن بعده بالطماطم. سيمفونية الصيف تمرّ حتما عبر الزيت الساخن وهو يعانق حبّات الفلفل اللاسعة ومن بعده أرباع الطماطم.
المقلي، هذا الطبق العجيب الذي تتغذّى عليه أغلب الأسر التونسية صيفا، يمكن أن يتوسّع ليشمل البطاطا والقرع والباذنجان والبيض فيصبح صحن كفتاجي، خلاصة التجربة الحياتية التونسية، سرّ من أسرار ثقافتها المتعدّدة، تجد آثار الغزاة، واستماتة السكّان الأصليين في الالتحام بجذورهم. لا يمكن أن تجد هذا الطبق في أي مطبخ آخر، لأنه ببساطة طبق تونسي.
هنالك أصول يجب إتباعها لإنجاح هذه الوصفة. هذه الأصول توشوشها كلّ أمّ ترغب في أن تجيد ابنتها الطبخ. سرّ البيضة المقلية الجميلة، التي يكون أصفرها في الوسط تماما، وتحيطها هالة من بياض أملس، هو أن تترك الزيت يحمى قليلا، ثمّ تضع البيض بسرعة ورفق، تحرّك الزيت بالملعقة برفق وكأنك تجدّف بهدوء في بركة صافية ذات مساء مقمر، تحرّك الزيت لتغمرها به، وكأنك تحمي طفلا رضيعا، بهدوء وحذر تغمره بالميته الدافئة كي لا يبرد، ثمّ قبل أن يصدر الزيت ضجّته المحبّبة، تخرج البيضة من المقلاة بسرعة ورفق، تضعها في الوعاء البلوري بحنان وكأنك أخرجت ذلك الطفل من حوض الاستحمام ولففته جيدا وتركته لينام بهدوء ووداعة.
يأتي دور البطاطا، تقطّعا في شكل أعواد أو دوائر حسب الرغبة، لأنك ولا شكّ ستترك بعضا منها لتزيين الصحن. تنتظر قليلا قبل أن تضعها في المقلاة، الوقت الكافي كي تدرك بحدسك أنّ الزيت أصبح مهيئا لاحتضان البطاطا وتدليلها حتى يصبح لونها ذهبيا. حينئذ تخرجا من المقلاة لتضعها قرب البيض المقلي. القرع في شكل مستطيلات إن كان قرعا أحمر، أو دوائر إن كان قرعا أخضر، يمكنك مزج الأحمر والأخضر في نفس الصحن، ليست هنالك قواعد صارمة في هذه المسألة. فالكفتاجي لوحة فنية يمكنك أن تضع فيها ما تريده من ألوان وأشكال. ثم تقطّع الباذنجان وترميه في المقلاة بسرعة قبل أن يتغيّر لونه.
بعد هذه الخضر ذات المذاق الهادئ يأتي دور الفلفل. ذالك الأخضر الحرّيق، الذي يرفع إلى السماء السابعة ثم ينفضك أرضا. ذلك المذاق الذي يشعلك تصرخ، وفي بعض الأحيان تلهث، يمكنك أن تستعمل الفلفل اللاذع مع الفلفل الحلو فتجد توازنا بين لذتين، وأخيرا يأتي دور الطماطم. في نفس المقلاة التي تشرّبت مذاقات المكوّنات الأخرى تغتسل الطماطم في صخب محبّب، وكأنهن هنديات يغتلسن في نهر الغانج، فيتطهّرن ويكتسبن أرواحا جديدة. نفس الشيء يحدث مع الطماطم. تدخل أبراجا، مزهوة بحمرتها، فتخرج وقد انفصلت عنها قشرتها وتحوّل لونها الزاهي إلى حمرة تميل إلى البرتقالي، وكأنّها الشمس تميل إلى الغروب، أو رجل اكتسب حكمة الكهولة، بعد أن عاش مغامرات الشباب.
تصوّر نفسك بعد أن قليت كلّ المكوّنات تمسك بسكينين فتقطع هذه الخضر التي تستسلم بلذة للسكين تشقها في كلّ اتجاه. هل تعجّبت يوما من قدرة سكاّن قارة آسيا من صينيين ويابانيين على استعمال عودين لتناول الطعام، كن واثقا من أن مشهد أي تونسي وهو يستعمل سكينين في نفس الوقت لتقطيع الخضروات المقلية هو مشهد في غاية من الجمال. ثم تأمّل حركة اليدين وهي تضيف قطعا من البصل والبقدونس ورشّة من التوابل، وبعضا من الكبد المقلي أو السمك لمن استطاع إلى ذلك سبيلا.
إنها مشاهد على بساطتها تحمل في عمقها شغفا بالحياة، ورغبة في الأخذ من كلّ شيء بطرف. ورغبة في تلوين الموجودات، والغرق في بحر من اللذة الحسية والوجودية.
الأطباق التونسية فيها الكثير من الصبر والمحبّة، ولولاهما لما وصلت إلينا اليوم أسرار الملوخية التي يستمر طبخها أكثر من سبع ساعات، والطاجين بين النارين، والمدفونة، تلك الأكلة العجيبة التي بقيّت سرّا مستغلقا على فتيات الجيل الحالي. والسرّ في محبّة الجميع للنساء العجائز واحترامهنّ. ليس فقط لأنهنّ البركة وذاكرة الأمّة، وإنما لأنهنّ يمسكن أسرار المطبخ التونسي البربري المتجّذر في لاوعي التونسيين المستعربين أو المتفرنسين. إنّهن يعرفن كيف يصنعن البسيسة، وكيف يكسكن الكسكسي والمحمّص والحلالم، ويعددن العصبان، والمرقاز، والملثوث، تلك الوصفات الأسطورية، التي تجعل منك تونسيا.
ومهما ابتعدت عن وطنك، فطريق ذكرياتك يمرّ حتما عبر أنفك، الذي يختزن روائح شربة الفريك أو الدشيش بالكبّار، والبريك بالعضمة، وأمك حورية، والسلاطة المشويطة، وسلاطة البلانكيط، والكسكسي بكلّ تقلّباته وأمزجته.
الكسكسي بالحوت (السمك)، بالخضر، بالعلوش، بالقديد، بالدجاج، بالرغيدة. مهما تغّرت وصفاته، فالكسكسي التونسي الحقيقي لونه أحمر مثل العلم. ولون الطماطم. ولون الحياة. المطبخ التونسي لونه أحمر بامتياز، والأطباق المصنوعة من الكركم أو الزعفران، إنما هي أطباق وافدة، أطباق البلدية، سكّان العاصمة، بقايا من خدموا الأتراك. ومن يأكل من غير طماطم، يفقد لذّة الأكل. هو على الأرجح شخص مريض. الأصحاء يحبّون الأطباق المبهجة، الغارقة في حمرتها، الغارقة في زيت الزيتون. أغلب الأطباق سواء التي تؤكل بالخبز أو بالملعقة في تونس لونها أحمر. وكلّ المرق مهما كانت مكوّناته إنما هو في الأصل خلاصة طماطم. ألم أقل بأنّ الطماطم هي نهر من اللذة. وعندما أبحرت في هذا النهر، جرفني تيار اللذة، ورماني على الشاطئ وقد أوشك وزني على التضاعف. ولكن ماذا أفعل مع هذا الصديق العزيز القادم من بعيد والذي عنّ له في أحد الأيام أن يرشقني بكلّ طماطم الكون؟ هل سأترك هديتي من دون أن أوفيها حقّها؟ طبعا لا. لذلك قرّرت أن أعيد إرسال ما تبقى من طماطم كي يشاركني الاستفادة من هذه الهدية الرائعة. وقبل أن أتحوّل إلى فيل، لأنني الآن تحوّلت إلى جاموسة.
بقلم روضة السالمي، تونس 02/04/2013