2‏/7‏/2014

نصــ...وص روضة السالمي: الفصل الأوّل من رواية شظايا لروضة السالمي

نصــ...وص روضة السالمي: الفصل الأوّل من رواية شظايا لروضة السالمي: شظايا – روضة السالمي تونس 1999 الفصل الأول في الهواء تسري برودة خريفية خفيفة تجعل النرجس يرتعش في أكمامه، وتملؤ الشرفة بأريج...

الفصل الأوّل من رواية شظايا لروضة السالمي

شظايا – روضة السالمي تونس 1999

الفصل الأول

في الهواء تسري برودة خريفية خفيفة تجعل النرجس يرتعش في أكمامه، وتملؤ الشرفة بأريج الزهور المختلفة التي دأبت منذ أعوام على الاعتناء بها...  أحب النباتات البيتية الرقيقة، رؤية اختلاجاتها عبر الفصول تجعلني أكثر رضا. تمنحني الراحة وهدوء البال.
زوجتي فاطمة تقول إن زهور البلاستيك تناسب أكثر لتزيين الشقة. فهي لا تتطلّب جهدا ولا عناية خاصة. كما أنها لا تذبل ولا تموت... أرى أن في الطبيعة أسرارا من الجمال الذي لا يذوي... ثمّ إن الاعتناء بهذه الكائنات النباتية الصغيرة يخفّف عني وطأة الأيام الطويلة وحدّة الوحدة.. كل شتلة وكلّ غرسة هي طفلي الذي لم أنجب... لذلك أحنو عليها كثيرا. وأمضي أغلب أوقاتي إلى جانبها.
أنا الآن في الثامنة والستين. توفي ابني الوحيد في حادث سيارة. حدث ذلك منذ أكثر من عشر سنوات. لم يبق لي غير زوجتي. أصص نباتاتي وهذه الشقة الصغيرة في عمارة آيلة للسقوط قرب بطحاء باب الخضراء.
عشت حياتي كيفما اتفق. بلا تخطيط مسبق. أو هدف واضح.تنقلت بين الوظائف.. زرت مدنا كثيرة. تجوّلت في بلدان بعيدة. علمتني الأيام كيف أنحني للعاصفة.. استفدت من تجاربي. ها أنا الآن وقد رسوت على ميناء الشيخوخة راضيا بقسمتي. قرير العين. تتقاسم فاطمة وأصص الزهور تأثيث وحدتي.
فاطمة حادة الطباع. عصبية في بعض الأحيان. لكنها رغم سنواتها التي تخطت بها عتبة الخمسين ما زالت تحمل في داخلها بعض المرح وبراءة الأطفال... لا أستطيع أن ألومها على شيء. كل سيئاتها تعوّدت أن أغفرها لها.. أغفر لها أنها رفضت في ذلك الوقت انجاب طفل آخر يؤنس وحدة منتصر. تعلّلت بالمرض.. كنت أعلم أنها خافت من إعادة التجربة.. خافت أن تموت على سرير الولادة كما حصل مع أمها وخالتها وأمها من قبلها.. تفهمت المسألة واكتفيت بالصمت...
وحين مات ابننا الوحيد مدهوسا تحت عجلات سيارة تقودها امرأة كفكفت حزنها. وضممت الوجع داخلي. وصمتّ. فقد علمتني التجارب.. كان ذلك هو نصيبي من هذه الحياة.. وكان عليّ في كلّ مرة أن افهم فاطمة أن الذي ذهب بعيدا لا يعود...
كنت أسقي الزهور في شرفتي. أضع السماد. وأصفّف الأصص غارقا في تسبيح طويل. يداعب الهواء ما تبقى من شعيرات على رأسي الأصلع حين سبق صوت فاطمة وهي تناديني خطواتها المسرعة. توقفت تلتقط أنفاسها عند باب الشرفة فغطّت بقامتها الفارعة مشهد الغرفة الصامتة.
تأملتني في اهتمامي الدؤوب بتسوية اعوجاج غصن غض، ثم قالت بنفاذ صبر:
-    علّ، ألم تسمعني.. منذ دفائق وأنا أنادي عليك... أم أنك تتجاهلني؟
رفعت ببطء رأسي نحوها وأجبتها:
-    أجل سمعتك.. لكنني لم أستطع ترك مكاني قبل الانتهاء من هذه النبتة المتسلقة.. ما الأمر؟ ماذا هنالك؟
-    ساعي البريد يحمل لك طردا بريديا كبيرا.. إنه عد الباب ينتظر توقيعك.. أسرع لنرى ما في الطرد..
هرولت عبر الشرفة ببيجامتي الصفراء ذات الحواشي البنية وبرأسي الأصلع.. عبرت البهو الغاصة جدرانه بصور منتصر..
يظهر في الإطار الخشبي الكبير على يمين المدخل في السادسة أو السابعة من عمره. يمتطي حصانه الخشبي وتعبث الريح بشعره الأحمر. في خلفية الصورة تظهر فاطمة كنقطة بياض ناصع وهي تمسك غصن شجرة التين.. بدى وجهها غريبا وكأنه مصبوب في قالب من الجصّ.. لم أعد أذكر المكان الذي التقطت فيه الصورة.. غير بعيد عنها إطار آخر يظهر فيه منتصر في السابعة والعشرين أو أكثر... في عينيه نظرة غاضبة.. هذه الصورة هي المفضّلة لدى فاطمة.. تقول إن منتصر في هذه الصورة يبدو وكأنه قد خرج من البيت لتوّه وسيعود قريبا.. تقول إنه يبدو وسيما بشعره الأحمر وأنفه المعقوف قليلا ووجنتيه البارزتين..
أخذ منتصر طول قامته وهزاله من فاطمة. إنها طويلة بشكل لا يصدّق بالنسبة إلى امرأة. طويلة وغير متناسقة. كعصا المكنسة. مكنسة السقف أو مكنسة تنظيف المداخن كتلك التي يستعملونها لتنظيف المداخن في بعض البلاد التي زرتها... كنت أكرّر ذلك دائما على فاطمة.. فتتظاهر بالغضب... أجمل ما في فاطمة روحها المرحة وابتسامتها الصادقة...
تليها مباشرة صورة عريضة لمنتصر وفاطمة وهما يتقاسمان اللعب بدمية بلاستيكية صغيرة... كم كانت سعيدة تلك الأيام.. كل الصور تقريبا تبرز منتصر وفاطمة.. لم أغضب لأنها تجاهلت تعليق صوري.. لا ألومها.. حزنها كبير مشوب ببعض الإحساس بالذنب..
ابتسم لي ساعي البريد وهو يقدّم إلي علبة ثقيلة بعض الشيء.. لم أستطع إخفاء دهشتي... في الحقيقة منذ أعوام لم نتلق رسالة شخصية واحدة ناهيك عن طرد بريدي... قلبت العلبة المغلّفة أبحث عن اسم المرسل. كدت أرفض استلامها... ومن يدريني أنها لي.. إلا أن ساعي البريد أكّد لي بأن العنوان الموجود على غلاف الطرد يخصني كما أن الاسم يتطابق تماما مع اسمي... وفي النهاية وقّعت على ورقة الإيصال واستلمت الطرد رغم إحساسي الغامض بالتطيّر.
كانت فاطمة تنتظرني بصبر نافذ. أخذت العلبة مني قلّبتها بين يديها. قرأت عنوانها، تأكدت من ختم البريد الذي يحمل عنوان مركز البريد في نهج اسبانيا ويحمل تاريخ اليوم. ثم بدأت تمطرني بالأسئلة.
هدّأت حماستها. واقترحت ترك مسألة فتح العلبة إلى ما بعد تناول العشاء. تركنا الطرد على الطاولة. عدت أنا إلى شرفتي ودخلت فاطمة المطبخ تعد حساء الخضر المسلوقة التي لا نستطيع التخلي عنها بسبب أمراضنا المختلفة..
بقيت أفكر في هوية المرسل ومحتوى العلبة. وضعت في ذهني قائمة لكل الأشخاص الذين أعرفهم. لكل الأقارب. لكل من يعرف العنوان. وفي النهاية استبعدت أن يكون أحدهم أرسل هذا الطرد.. داهمني شعور غامض بأن في المسألة خطئ ما. أو أن تكون مزحة ثقيلة من أحد الجيران.
عدت إلى داخل الشقة. عظامي المنهكة لم تعد تحتمل برد المساء. أغلقت الباب على هواء الخريف الذي بدأ يشتدّ.. كانت فاطمة تحوم حول العلبة. يكاد يقتلها الفضول. انتبهت لحضوري فتظاهرت بتسوية الزهور في الإناء.. رغم سنواتها الخمسون ما زالت تتصرّف كطفلة.. آه طفلتي الوحيدة، ألم تعلّمك التجارب الصبر؟..
تلهيت بقراءة الصحيفة محاولا تجاهل العلبة التي تغريني بالاقتراب. كنت قد انتهيت لتوي من ملء شبكة الكلمات المتقاطعة حين نادت علي فاطمة من وراء قدورها.
لم نتناول عشاءنا صامتين كالعادة. فقد أخذت فاطمة تفكّر بصوت مرتفع.. وضعت فرضيات عديدة تمكنت من تفنيدها بسهولة. ذكرن أسماء كثيرة حتى جعلتني أشعر بالانزعاج فصحت فيها ساخرا:
-    ربما يكون منتصر هو من أرسل الطرد..
آلمتها كلماتي القاسية فتلهت بغسل الأواني كي تخفي تجاعيد خدّها المترهل.. اقتربت منها محاولا مصالحتها. ثم اقترحت مساعدتها في تنشيف الصحون فلم تمانع.. قلبها طيب رغم كل شيء.
سألتها وهي تعدّ الشاي الأخضر الذي أحبذه ممزوجا بورق النعناع الطري أن تحزر ما في العلبة فعادت نشيطة إلى الرياضة الذهنية التي أعجبتها. اقترحت أن تكون ملئ بالشكلاطة أو أقراص الحلوى والسكاكر.. لو يكون الأمر كذلك فسنوزعها على أطفال الجيران. لأننا أنا وفاطمة نعاني من مرض السكر المزمن. هي بسبب وفاة منتصر. وأنا بسبب عوامل وراثية.. وقد نصفح عن صاحب هذه المزحة الثقيلة.
وقد يكون في العلبة حذاء.. فإن كان الأمر كذلك فلأينا الحذاء.. ثم من يعرف مقاسنا.. ثم افترضنا أن يكون في العلبة منديل للرأس. لكن العلبة كانت ثقيلة. ولا يعقل أن يكون منديل الرأس بمثل ذلك الوزن.
انتهينا من اعداد الشاي. ولم ننته من وضع الافتراضات. وحين أتعبتنا هذه اللعبة قرّرنا فتح هذه العلبة.
جلسنا إلى الطاولة. وبقينا لحظة صامتين نحاول أن نطيل متعة التكهن. أنامل فاطمة متحفّزة لفتح الطرد ونزع غلافه. لكن أنا من سيفتح الطرد. أولا لأنني أنا الرجل. ثانيا لأن الطرد مرسل أساسا إليّ.
أمسكته بكلتا يدي. حرّكته بشّدة يمنة ويسرة وأرهفت سمعي. تبدّت لي أصوات غامضة. أشياء ترتطم ببعضها محدثة صوتا حادا كتمته العلبة المغلّفة.
نزعت الغلاف بحذر. فقد علمتني التجارب التي تركت آثارها على تجاعيد وجهي أن أتعامل بحذر مع كل ما أجهل. كان يختفي تحت ورق التغليف صندوق خشبي بحجم علب الأحذية. يلمع خشبه المصقول كالمرآة تحت نور مصباحنا الشاحب.
كان صندوقا محكم الصنعة ومحكم الاغلاق. وكأن صاحبة كان يخشى أن يضيع ما بداخله.أسرعت فاطمة إلى المطبخ وأحضرت السكين.
عالجت الصندوق طويلا حتى انفتح. نظرت إلى داخله ثم قربته من فاطمة.. رفعت إلي رأسها وقد اشتعل بريق عينيها الخابي بدهشة المفاجأة وعدم الفهم.. تبادلنا النظر صامتين.
أدخلت يدي بحذر وأمسكت قطعة أولى. وضعتها على الطاولة. كانت شظية مرآة. تأملناها طويلا. ارتسمت الحيرة على وجهينا. على الشظية خطوط غير مفهومة. وكأنها جزء من رسم. أفرغت محتوى الصندوق على الطاولة. تساقطت مئات الشظايا البلورية ومجموعة من الأوراق والدفاتر...
هرب الكلام من حناجرنا.. أبدا لم نتخيل شيئا كهذا.. في عيوننا سؤال يحتاج إجابة سريعة. بعد لحظات الدهشة قررنا اقتسام اللغز.. جمعت فاطمة الشظايا جانبا. وأخذت أنا الدفاتر والأوراق. وبدأ كلّ منا رحلة البحث.

7‏/1‏/2014

A la trace des Roms, une vie de gitans en photo

A la trace des Roms, une vie de gitans en photo, traduction et présentation Raoudha Selmi

voilà, cela fait plus d'un mois que je suis totalement hantée par un rouge si profond et d'un vert sublime, il s'agit des ouvres du photographe danois joakim Eskildsen (né en 1971 à Copenhague) de la série Roma-journey.



Entre 2000 et 2006, joakim Eskildsen et l'écrivain Cia Rinne ont entrepris de voyager dans sept pays différents en vue d’obtenir un aperçu de la vie des Roms et les conditions auxquelles ils sont confrontés. Eten accord avec les différents pays parcourus, le corpus photographique estdivisé en sept séries, dont la séquence correspond à peu près à la chronologiedu voyage.
Lephotographe et l’écrivain ont passé un temps considérable parmi les personnesqu’ils  voulaient photographier afin demieux les connaître.
Audébut ils ont réussi a passé prés de quatre mois chez Magda, une vieille Romehabitant au nord de la Hongrie.
Leursvoyages pour la Roumanie, l’Inde et la Finlande sont le fruit de leur réseau deconnaissances et de contacts personnel. Le voyage pour la Grèce et la Russieétait grâce à l’aide des organisations des droits de l'homme,  et en ce qui concerne le voyage en France ila été effectué à travers les Centre de recherches tsiganes à Paris.
Cesvoyages n'étaient nullement méticuleusement planifiées, néanmoins ils ontpermis à oakim Eskildsen et Cia Rinne àtravers une multitude de coïncidences d'entrer en contact avec les Roms.
La communication avec les roms était directe dans la plupart des pays, chose qui n’était pas possible en Russie et en Inde, puis que les deux protagonistes ont du être accompagné et assisté.
Et c’est ainsi que joakim Eskildsen et l'écrivain Cia Rinne parlent de leur aventure « Nous nous sommes souvent demandé ce qui a déclenché notre intérêt pour les Roms , mais nous avons été incapables de fournir une réponse définitive, et encore moins exhaustive. Ce qui est certain,c'est qu'une fois nous avons commencé, nous étions, tout simplement, incapabled'arrêter de poursuivre le projet. Et plus nous avons découvert les Roms etappris à les connaître, plus notre intérêt pour eux devient grand. »

27‏/12‏/2013

صوت الفجر

صوت الفجر
بقلم روضة السالمي
تونس 2004
تسلل النوم من عيني سميرة... كانت تحلم وقد ضايقها ديك جارتها أم الهاني... صوت الديك قبيح يشبه صاحبته. متحشرج ومعقوف كأنفها... كسعال محتضر.. لا يتميز عنها سوى بالريش... عبثا حاولت سميرة أن تعود لنومها... لم تستطع... فكرت أنه ليس من العدل أن تحرم حتى من نعمة الغياب. وكان هذا الديك يصر على الإيذان بفجر كاذب...
تكورت فوق الحصير. أحكمت إغلاق عينيها.. تكورت أكثر.. حضنت رجليها بيديها المتخشبتين... بدأ الدم يغلي في عروقها رغم أطرافها المتجمدة وخواء معدتها.... من شقوق الباب يدخل الهواء البارد متلويا كأفعى برؤوس سبعة.. كأفعى بأنياب ومخالب.. نقاط الضوء الهاربة من مصابيح البلدية الهزيلة تحاول أن ترسم على الجدران الشهباء ظلالا... والغرفة هادئة...
كان من الممكن أن تتمتع سميرة بالنوم والنسيان لولا ذالك الصياح الذي خرق أذنيها معلنا عن لا شيء.. وكان حلما لذيذا ذاك الذي قطعه ديك أم الهاني... كانت تحلم أنها تأكل لحما.. لحما حقيقيا... سميرة لم تكن بخيلة على نفسها في الأحلام. فكثيرا ما تحلم أنها ترتدي أفخر اللباس. ولا تأكل في الأحلام سوى اللحم. ولا تعطي نفسها غير دور البطولة.. وكانت ستشبع في الحلم لولا صوت الديك المتحشرج المعقوف كأنف صاحبته..
منذ العيد الماضي لم تذق سميرة لحما ولا مرق لحم.. في ذلك اليوم أعطتها أم الهاني قصعة مليئة بالكسكسي تتوسطه لحمة كبيرة.. لحمة حقيقية.. يومها نسيها الجميع.. وحتى هي نسيت نفسها فلم تخرج للشارع كعادتها.. كل انشغل بنفسه. وأم الهاني فقط هي من تذكرها.. وفي هذه الليلة التي لم يغب فيها القمر كان حلمها لذيذا.. تتوسطه لحمة ضخمة بحجم الفيل.. لولا صياح الديك...
تعرف أم الهاني جيدا. تعرفها وتعرف أنها تصبح في بعض الأحيان رقيقة وناعمة كثوب داخلي شفاف.. رأت سميرة أثواب نسائية جميلة مدلاة من حبال الغسيل لكنها لم تفكر يوما في سرقتها... فسميرة لم ترتدي في حياتها ثوبا داخليا...
تعرف أم الهاني جيدا. تعرفها وتعرف أنها تصبح في بعض الأحيان فظة عنيفة وبغيضة إلى أقصى حد.. كأسلاك معدنية شائكة وصدئة.. كتلك التي غاصت في يديها وأدمتهما يوم حاولت التسلل إلى داخل البيت المهجور المغلق بالقوة العامة.. يومها حاولت سميرة معرفة ما بداخل البيت الكبير من باب الفضول لا غير. لكن الأسلاك التي غاصت مليا في يديها ووجهها حالت دون إرواء ظمأها للمعرفة...
وتعرف سميرة أيضا أن أم الهاني بعد أن ترملت بأحد عشر شهرا أخفت مولودها الذي تحول إلى كتلة من اللحم الفاسد في كيس القمامة ووضعته في الظلام تحت جدار الخربة المقابل لوكالتهم المتهدمة... في تلك الليلة أربعة فقط كانوا على علم بذلك السر. أم الهاني. الله. الشيطان. وسميرة التي تعرف أدق الأسرار دون حاجة للسؤال والتي آلمها أن ترى الكلاب تتخطف الجسد المتعفن المرتخي. وهي التي تجاوزت الخمسين ولم يفكر أحد في منحها طفلا. أو النظر إليها على أنها امرأة... أو حتى اغتصابها... كم كانت سميرة ستفرح لو فكر أحدهم يوما ما باغتصابها. كان ذلك سيعطيها على الأقل إحساسا ولو قاسيا بأنوثتها... تلك الأنوثة التي لا تشبه في شيء ما منحته الطبيعة لبنات جنسها..
الخريف بارد ينثر هوائه المشحون كراهية داخل الغرفة.. وتدمي أعواد الحصير المتهرئ ضلوع سميرة.. تدمي جوعها.. وحدتها.. إحساسها بالبرد.. وصوت الديك القذر يحول أعصابها أو ما تبقى منها إلى كتلة متوهجة من الغضب.. إلى إعصار يعصف بكل الصور التي اختزنتها ذاكرتها.. يحولها إلى سيل يجرف كل الآلام والذكريات البعيدة....
تململت سميرة تحت اللحاف. تكورت كقنفد عجوز. ثم نهضت بعزم.. من يعرف سميرة يمكنه دائما أن يتوقع الأسوأ حين تغضب. أما ما يمكنها فعله لو عقدت العزم على أمر ما فثلاثة فقط يمكنهم أن يدركوا ذلك. الله. الشيطان. وسميرة نفسها...
أركان الغرفة الواقعة في سطح الوكالة متهدمة الجوانب متقاربة. على الجدران المتشققة تحاول الأضواء المتسللة من الخارج رسم شيء ما.. تعبير معين. غير أن بقع الضوء تفشل في البقاء طويلا.. تتوحد مع الظلمة وتموت مشنوقة على ما تبقى من الجير.. من الشباك الصغير الذي نجا بلوره من التكسر بأعجوبة بدت بناءات المدينة الغائصة في وحل الخريف كسفينة توشك على الغرق في ذلك الفجر المتضايق. الفجر الذي يغالب الغثيان بعد ليلة صاخبة...
حبل غسيل يقسم الغرفة إلى نصفين غير متساويين... الحبل يتيم ككل ما في الغرفة... ولم تكن سميرة تملك ثيابا لتعلقها عليه. فيقي متأرجحا بين الريح المتسللة من فتحات الباب وتلك التي تتسرب من السقف المفتوح عند الزاوية على سماء بلا نجوم. بلا غيوم. بلا حياء.. لم تكن سميرة تملك ثيابا لتغسلها وتعلقها ثم تنتظر جفافها لتطويها أو ترتديها... لم تكن تملك شيئا أو تكاد. وما كانت لديها الرغبة حقا لتفعل لو كان لديها ثوب آخر غير فستانها العتيق ومعطفها الداكن المفتوح من عدة جهات. لذلك بقي الحبل اليتيم لا يفعل سوى أن يقسم الغرفة لجزأين غير متساويين...
فتحت سميرة الباب بحذر. أضواء البلدية تقاوم النعاس بضوء منكسر. وللهواء رائحة تجمد الأنفاس.. تقطع الأوصال. والفجر بعيد. بعيد.. أبعد من الغد.. ورغم ذلك لم يتوقف الديك عن الصياح بصوته المتحشرج المعقوف. في الجو رائحة ملوثة بالبول والزبالة المتكوّمة على جدران الوكالة... وكان الديك كاذبا في حدسه. وصفيقا كوجه المدينة..
من الخف البلاستيكي الأزرق المتهرئ تخرج أصابع أقدام سميرة كالإخطبوط.. كان خفا مسروقا... سميرة تختار بعناية الأشياء التي تسرقها. وتعمل على أساس قاعدتين لا تحيد عنهما أبدا. أن تسرق ما تحتاجه حقا. وأن تسرق ما يليق بها. لو سرقت حذاءا جديدا أو خفا جميلا لاشتبه في أمرها. لتتبعتها نظرات الجيران. ولتساءلوا همسا وعلانية عن مصدره. وقد يشي بها أحدهم. ويقبضون عليها. وهنالك شيئان تخافهما سميرة ولا تخاف سواهما. أن تنتفي أكوام الزبالة من المدينة. وأن يلقى بها إلى السجن. أما الله أو الشيطان أو المرض أو الآخرين فتلك مسائل ثانوية وليس لدى سميرة ما يكفي من الوقت كي تفكر فيها.
خف سميرة البلاستكي الأزرق الذي وهت أسلاكه وسقطت زهرته الحمراء الاصطناعية لا يصدر صوتا عند المشي... وكان الديك واقفا على حافة السطح مغمضا عينيه. فاردا جناحيه محتضنا الكون الرحيب. يلقي تحيته على من يمكنه الاستمتاع بشدوه المبكر.. مسترسلا في الزعق بأقصى ما يسمح به صوته المتحشرج المعقوف كأنف صاحبته..
مع كل خطوة في اتجاه الديك يتضاعف غضب سميرة. غضب عميق هي نفسها تجهل أسبابه. لكنه غضب يأتي من أعمق نقطة في ذاتها. يشبه الطوفان. يجمع في طريقه كل آلامها. يضغط على قرحة قلبها بكل عنفه. طوفان من القيح والتاريخ المشبع بالليالي السوداء يكاد يخرج من عينيها...
لم ينتبه الديك إلى وجودها. كان مستغرقا في مناجاته الطويلة. معلنا فجرا غير واثق من مجيئه. غير عابئ بالسواد المحيط به. ظل الديك مغمض العينين ومن منقاره الصلب المعقوف كأنف صاحبته ظلت تخرج صيحته الدائمة مبشرة بفجر كاذب... سرت في جسم سميرة الذي لا يشبه أي جسم آخر رعشة جعلت داخلها ينتفض بشدة. وتضاعف حقدها لسبب لا تدركه. أصبح الكون لديها، كل الحاضر والماضي وما سيجيء من أيام وكل الآخرين مشخصا في ديك لم تمنح الطبيعة ريشه من الألوان غير الرمادي.
تقدمت بخفة قط غير أن الديك حين اقتربت أكثر أحس بوجودها. فتح عينيه. قلص جناحيه. وصمت عن الصياح محاولا استيعاب الوقف. نظر أحدهما في عين الآخر برهة... في سماء المدينة المثقل بالنعاس بعض المصابيح ترسلا عبثا أسلاكا من نور باهت مخنوق... تقدمت سميرة بالخطوة الأخيرة. انتفض الديك. كاد يفقد توازنه. رفرف بجناحيه الثقيلين وسقط أرضا. ولم يصدر عنه أي صوت. خانته حنجرته هذه المرة.
تقدمت سميرة أكثر. تألق في عينيها وميض بارد وخاطف... من يعرف سميرة ويرى التعبير الذي اكتسبته عيناها لا بد أن يصاب بالرعب ويتراجع مذعورا. في عينيها موت محقق. شيء يشبه خاتمة الأشياء. يشبه عنف الاحتضار. أو شهوة الثور لطعن القماش في حلبة تغص بالمبتهجين بكل النصال التي تتدلى من ظهره الدامي...
مدت سميرة يديها... أصابعها شاحبة وطويلة كأغصان النباتات المتسلقة... مدت يديها كمن يريد أن يقبض على عنق السماء. كمن يقبض على عنق المدينة والكون وكل الموجودات... الديك ينتفض في الزاوية. صامتا. خانه صوته وفضحه الضوء المرتعش... كان لا بد من المواجهة. وكان يعلم مسبقا أن خاتمته توشك كل لحظة على مد لسانها المشقوق في وجهه. وتقهقه عاليا..
خيوط الضوء تربت برفق على ريش الديك... تعطيه لونا مشرقا رغم الظلام المثقوب برصاص الضوء... ولدى سميرة رغبة كبيرة ملحة في الانتهاء من كل شيء دفعة واحدة... وكان الديك مستعدا رغم جبن صوته على المواجهة. إلى آخر ريشة وآخر رمق.
غير أن لا شيء يثني سميرة عن عزمها... لا شيء بالفعل... من يعرف سميرة حقا يعرف أن لا سبيل لرجوعها عن شيء عزمت عليها...
ووحدهما يعلمان تماما عزم سميرة. الله والشيطان. ولم تكن سميرة لتهتم بهما يوما... مخالبه القوية وهي تمزق يديها المتخشبتين لم تزدها سوى إصرارا... شيء غامض يمتد على طول مشاعرها وفكرها يقطر كآبة لزجة ورغبة في الانتهاء من كل شيء... من صوته البذيء... من وجه أم الهاني المشقق والمعفر بحصى الأيام... من غرفتها واطئة السقف... من الكلاب التي تنكش قمامة أيامها... ومن سميرة في حد ذاتها... من المدينة المخنوقة... ومن الجميع... رغبة عارمة في إسدال الستارة على كل شيء... شيء واحد غامض استحوذ على كل مشاعرها جعلها لا تفكر سوى في الإمساك به من رقبته...
تناثر ريشه على السطح المليء بالكراكيب وكل ما يفيض عن الحاجة. وكاد بمنقاره الصلب أن يفقأ إحدى عينيها. لكن لا شيء كان باستطاعته أن يقف في وجه سميرة حين تعزم على أمر ما... تراقصا على السطح زمنا... لكنها كانت الأقوى. أحكمت قبضتها على عنقه الهزيلة. فازداد هياجه وتضاعف تخبطه. وظل زمنا يضرب وجهها بجناحيه القصيرتين. ويخدش بأظافره يديها وساعديها. لكنها لم تستسلم... تحدت ألمها وألمه. وضغطت أكثر على الحنجرة الصدئة.
خارت قوى الديك. غير أن سميرة استمرت في الضغط أكثر فأكثر... وتحت أصابعها المتيبسة تفتت الحنجرة الواهية. تسللت من بين أصابع سميرة المحكمة حشرجة نحيلة... ثم مات الصوت للأبد... انتهت أغنية الديك ككل الأشياء التي لا بد لها من أن تنتهي... غير أن حفلة سميرة كانت قد بدأت للتو...
جسمه الحار المرتخي بين يديها يزيد من حدة غضبها... أحست أن ما بين يديها ذلك الجسم المرتخي المتدلي بانكسار والذي تفوح منه رائحة عفنة هو كل الآخرين... كل العالم هنا يتدلى من بين أصابعها الدامية... كل الحاضر والماضي والآتي... كل الأشياء البغيضة وحتى الجميلة تتدلى فاقدة للحياة... كل المدينة معلقة برقبتها بين أصابع سميرة الخشنة الدامية...
نظرت إليه مليا. أمسكته من ساقيه فتدلت رأسه مفتوحة العينين كجرح قديم. منقاره المعقوف مفتوح كنصف ابتسامة. وعرفه مرتخي... نظرت إليه مليا. ثم ضربت الرأس على الجدار. ضربته مرة أولى. ثم ثانية فثالثة ورابعة وخامسة. ضاعفت الضرب. وفي المدينة التي تتململ في سريرها بقايا صخب وبقع حمراء وهواء بارد يجوس في الأزقة المظلمة... وعندما اختلط مخه بالطحالب النابتة على السطح. وسال الدم على أصابعها المتسللة من الخف. عندها فقط أحست سميرة بالارتياح...
دخلت غرفتها. رمته أرضا قرب الباب. ثم أخذت الحصير فأخرجته. وضعته أمام الغرفة ثم عادت إلى الداخل. أطرافها دامية وحول جراحها بدأ الدم يتوقف عن النزيف. أخذت الديك بين يديها. أمسكته من جناحيه ورمته خارجا على الحصير المتهرئ. نزعت الحبل من مكانه. ولما لم يكن في الغرفة شيء آخر خرجت مجددا. سوت وضع الحصير ورمت الحبل في المنتصف. وفوقه وضعت الديك برفق هذه المرة. بحثت مليا في جيوب المعطف الذي سقطت آخر أزراره في المعركة. أخرجت علبة ثقاب وبقايا سيجارة. تربعت أرضا أمام الحصير... بعض الضوء بدأ يتسرب من السماء التي فقدت وجهها في مكان ما... بعض الخطوات في الشارع أخذت توقع بدأ يوم جديد. يشبه غيره إلى حد بعيد...
أشعلت سميرة عود ثقاب. تأملته بعض الوقت. ثم رمته على الحصير قبل أن ينطفئ... أشعلت عود ثقاب آخر. أحست بفرح حقيقي. فرح ينسل من داخل الذات.. حقيقي وغير مفتعل. ملأها الضوء المنبعث من العود الهزيل بفرح لم تعتده... تأملته جيدا وأشعلت بقايا سيجارتها. غاب خيط رقيق من الدخان في البرد الصباحي. وبدأ الحصير في اشتعاله الحقيقي. استهوتها اللعبة. فأشعلت عودا ورمته على الديك. ثم عودا آخر. وآخر... أتت على كل ما في العلبة من عيدان كبريت. أخذت نفسا عميقة من سيجارتها. وتأملت الحصيرة التي تأكل ألسنة النار أطرافها. نفثت من فمها الدخان وهي تتأمل ما حولها وكأنها تراه لأول مرة...
أعجبتها لعبة النار فنزعت معطفها ورمته لألسنة اللهب... كتمت ضحكتها كطفل يطل من ثقب الباب على امرأة قبيحة عارية... سرت في الجو رائحة الحريق والريش الملتهب... انتهت سميرة من سيجارتها. رمت العقب في قلب النار. ونزعت فستانها المتهرئ. رمته للنار... ورغم البرد صفيق الوجه لم ترتعش. تصاعد اللهب الراقص... احترق الديك... مدت سميرة يدها عبر اللهب المتصاعد. أمسكت الديك أو ما تبقى منه. غرزت أظافرها في لحمه المسود. ومزقته بأسنانها. ولأول مرة منذ أن ولدت أحست سميرة بالدفء.. رغم أنها لم تكن ترتدي سوى الخف البلاستيكي الأزرق الذي سقطت زهرته الصناعية الحمراء... ولم تسمع في تلك اللحظة سوى سعادة شفتيها وهي تنزلق بوحشية على لحم الديك المتفحم... ولم تنتبه لأقدام أم الهاني على السطح.
من بقايا الحصير انتشر في الأفق لهب أصفر موحل بدأ يخبو تدريجيا. كادت سميرة تحس بالشبع... لولا صوت أم الهاني المتحشرج المعقوف الذي يشبه ديكها... أكملت أكلها كمن يوقن أنها اللقمة الأخيرة. وكادت تتجشأ لولا كف أم الهاني الغليظة التي أطبقت على رقبتها فمنعت الهواء عن رئتيها... سقطت من يدها بقايا الديك وأحشائه... بينما بقيت اليد الأخرى متشبثة بآخر لقمة...
لم تفزع سميرة ولم تندهش.. ومن يعرف سميرة يعرف أن أشياء قليلة ونادرة الوقوع يمكن أن تثير دهشتها... أحست كمن يستفيق من حلم لذيذ. ولم يكن لديها وقت كاف للتفكير في المقاومة... كانت عارية تماما إلا من خف أزرق متهرئ... لم تمهلها أم الهاني كي تستعيد أنفاسها... أم الهاني التي يمكنها في لحظات أن تصير ناعمة ومدهشة كثوب داخلي ناعم.. يمكنها في لحظات أخرى أن تتحول إلى كتلة من موت ومن صديد... سميرة لم تكن في الواقع مهتمة... في تلك اللحظة كان مذاق اللحم في فمها يثير لديها مشاعر دافئة... مشاعر لم تألفها..
بدأ سيل من الضرب والشتائم. وامتلأ السطح بالمتفرجين. لم يكن الأطفال ولا الرجال أو النساء محتاجون ليطلوا من الثقب على امرأة قبيحة عارية كي يضحكوا. كان عريها أمامهم من دون مقدمات. عريا قبيحا. داميا. عريا حقيقيا يتجاوز عري الجسد...
مزقت شعرها المجعد... أدمت وجهها بأظافرها... وأشبعتها عضا وركلا... استسلمت سميرة في البداية... استسلمت كمن يريد أن يتعود على وضع جديد... ثم بدأت في المقاومة تحت تصفيق وتصفير الجمهور المهتاج رغم الجوع والبرد الصباحي وآلاف الآلام... رفست سميرة برجليها النحيفتين المقوستين فاهتز كل جسمها... قاومت بصدرها الأعجف وكرشها الضخمة المتدلية... خدشت بأظافرها. وبصقت من خلال أسنانها النخرة التي مازالت نتف من لحم الديك عالقة بها في وجه أم الهاني... امتلأ السطح بالجيران وتحلقوا حول المرأتين.. قالت عجوز من الحاضرين بصوت واهن حرام عليكم.. غير أن أحدا لم ينتبه إليها فصمتت وعادت تتفرج...
استمر العراك طويلا حتى مل الناس وتفرقوا ولم يبق غير الأطفال... ولم تستسلم سميرة رغم عريها وتعبها... بدا لها وجه أم الهاني يختصر أزقة المدينة المتلفعة بعباءة من أكوام القمامة.... شبيها إلى حد بعيد بوجه الديك ذي الصوت المتحشرج... جمعت آخر قواها ودفعتها بعيدا عنها. لكن أم الهاني كانت تمسكها جيدا وسقطتا على بقايا الحصير الملتهب... بعد ذلك لم تعد سميرة تذكر شيئا... ربما كانت تحلم... غير أن الألم كان موجودا فعلا. ورائحة اللحم المحروق تزكم أنفها... ومن يعرف سميرة جيدا يدرك لا محالة أنها تتحكم في الذاكرة. تستطيع أن تسقط في بئر النسيان كل ما لا تود تذكره. وكذلك فعلت مع ما تلا ذلك الفجر من أحداث... ومن يعرف سميرة يدرك أنها تفعل ذلك كي تستطيع البدء من جديد..
بقلم روضة السالمي، تونس 2004، من مجموعة لاشيء في السماء

14‏/11‏/2013

أبنوس وعاج

أبنوس وعاج
جلس منتصبا يلتحف السواد. مدّ أصابعه الطويلة. أغمض عينيه. وضغط برفق على الأصابع البيضاء الرقيقة الممتدّة أمامه. أحسّ برجفة في أطرافه. وسرى الدفء في الأصابع البيضاء الباردة، فانسجمت مع حركات أصابعه الرشيقة، وغمرت المكان أصوت هامسة تشي بالنشوة. وسرت رعشة في الأوصال.
استعمل كلّ جسده للتعبير عما يخالجه من مشاعر. وتوهّجت عيناه من السعادة. عمّت البهجة أرجاء المكان. رقص نوّاس الساعة. وغمز الضوء بعينه الدامعة المتلألئة. أغراه السواد في التوغّل في أعماق الحلم. لامس اللون برفق. فتردّدت أصداء هامسة. تقوّس ظهره. اختلجت أصابعه، وكأنها لامست جمرا ملتهبا. تراقصت في امتداد أفقي. تلاقت. تباعدت. ثم عادت لتتعانق. نشجت الساعة. وغرق الضوء في حزنه. انقبضت أوتار القلب واهتزت. فارتمى على سجادة المشاعر العميقة الخافتة مليئا بالبهجة.
وفي لحظة خاطفة تعانق العاج والأبنوس. وسرت الذبذبات في كلّ اتجاه. والتقت في نقطة وسطى. لا تنتمي لشمال أو جنوب. لم تحدّدها سوى ملامح خشب اللحظة الخافتة. وبعد أن استكانت لغة المشاعر. وقف. ثم انحنى قليلا واختفى خلف الستارة الحمراء التي أجهشت بالبكاء.
من مجموعة "أبعد من اللون"- روضة السالمي- تونس

18‏/6‏/2013

تجاعيد القمر

تجاعيد القمر

يستند على جدار كوخه يرقّع شبكة أيامه. يمسك إبر الماضي ويمرّرها بين ثقوب الذاكرة.. تحاول يده المرتعشة أن تتحسّس طريقها في الشبكة المتهرئة. وحين تتعب أصابعه المتخشّبة، يسرح بنظره في الأزرق الممتدّ أمامه. ويتنهّد ككلّ مرة.. "حتى الألوان فقدت ألوانها.." يقول في صمت.. ثم يتساءل في داخله "أم تراني نسيت شكل اللون الأزرق؟.."
منذ سنين لم يركب زورقا للصيد. وحين يشتدّ به الشوق، يمسك آخر شباكه، ويرقّع ثقوب الحكايات بخيط من الصبر والخيال..
تدخل زوجته، عروس البحر. تلك التي اصطادها ذات قمر. وأعطاها شبابه لقاء أن ترضاه عريسا. تداعب رأسه بحنان، وتسأل:
- هل ندمت على مهرك لي؟
- ندمت على عمري الذي ضاع قبل أن ألقاك..
يجيبها
- فلماذا إذن ترقع شباكك أيها الصياد؟
تسأله
- كي أعيدك إلى البحر الذي خرجت منه.
يقول العجوز
- لكنني نسيت العوم.
تجيبه عروس البحر
- ستتذكّرينه حين تدخلين الأعماق معي.. سنتذكّر لونه، وتعلق بنا رائحته.
يجيبها مطمئنا
تجلس قربه، تستند على الجدار، تمسك طرف الشبكة، وتأخذ منه عدة الخياطة. وشيئا فشيئا يستعيد وجهها تجاعيد القمر. وحين تتعب أناملها المتخشّبة مسك خيط الماضي، تتأمل مثله الأزرق الممتد. وتفكّر بصمت بأن هذا الأزرق الذي أمامها لا يشبه ذاك الذي سبحت فيه ذات قمر عندما تركت نفسها للسندباد يضعها في شباك قلبه.

روضة السالمي، تونس، نوفمبر 2010

15‏/5‏/2013

لكي تعيش طويلا وسعيدا - نصائح زوجية مجرّبة

نصيحة لكلّ رجل يريد أن يعيش طويلا وسعيدا، اتبع الطريقة التالية، فقد نفّذها زوجي وهي ما تنفكّ تثبت نجاعتها منذ عشر سنين:
- إن كنت ممّن لهم صبر على الدراسة، سجّل نفسك في أي دورة تدريبية، أو ماجستير، أو بحث، فلن تجرأ زوجتك على مقاطعتك وأنت منكب على الكتب والمراجع، حتى وإن فشلت في إتمام دورة فليس ذلك بمهمّ، عذرك أن صراخ الأطفال يزعجك ويمنع عنك التركيز، ولتعويض ما فاتك سجّل في دورات جديدة، زوجتك المصون لا يرضيها طبعا أن تكون حجر عثرة أمام تحقيق طموحك العلمي اللامتناهي،
- اشغل نفسك بمتابعة البرمجيات الالكترونية الحديثة، قم بتنزيلها وتجربتها، فهذه البرمجيات لا تنتهي، كما أنها تأخذ وقتا طويلا لتتعلّمها أو لتحذفها من جهاز الكمبيوتر، زوجتك طبعا لا يرضيها أن تكون سببا في ظهورك بمظهر المتخلف التقني أمام زملائك، وغير المواكب للتحديثات،
- قم ببحث طويل عن موضوع ما، في أي مجال كان، ابحث عنه في الكتب والمراجع والمجلات، والانترنات، فالمواضيع لا تنتهي، وبهذا الشكل تضمن خلوة لا متناهية مع نفسك وكتبك وجهاز الكمبيوتر، زوجتك لن يرضيها أن تكون غير مثقف وغير ملمّ بكلّ أحداث الساعة، أو اللحظات الحاسمة في تاريخ البشرية، ستكون فخورة بك عند الاجتماعات العائلية، وستسعد عند إفحامك لخصومك وقهرهم بالمعلومة المؤكدة المقترنة بالدلائل والقرائن التي لا تدحض،
- لا تلتقي بأصحابك في المقهى، بل استعمل السكايب أو المواقع الاجتماعية، ومن الضروري أن تعرف زوجتك أنّ أصحابك لا يهتموّن إلا بالعلم والبحث والثقافة، وطبعا هي لن تقاطعك بل ستعدّ لك القهوة متى تطلبها، وستعطيك دواء أوجاع الرأس وربما ستدلك رقبتك لأن البحث شاق ومضني،
- لا تحدّثها سوى عن طموحك في المعرفة وتوقك إلى الفهم، حدّثها عن معادلات رياضية صعبة، أو توازنات اقتصادية عالمية معقّدة، عن وقائع تاريخية ضاربة في القدم، لن تجرأ على مقاطعتك أو فتح فمها للحديث في أشياء تافهة تنزل بمستوى النقاش إلى حديث العامة،
ما ستربحه هو الآتي:
- لن يسع زوجتك إلا التعبير عن احترامها وتقديرها لشخصك - رغم إحساسها بالقهر في داخلها – ولكن ذلك غير مهم فهي لن تجرأ أبدا على الوقوف حجر عثرة أمام موهبة علمية فّذة تحاول إثبات نفسها،
- ستستريح من طلباتها المتكرّرة بمساعدتها في أعباء البيت من شراء بقالة، أو رعاية بالأبناء، أو الاهتمام بكلّ المسائل التافهة الأخرى من قبيل الاتصال بالسمكري، أو الطبيب، أو الميكانيكي، أو التصرّف في ميزانية البيت،
- ستعيش طويلا وسعيدا ولن يصيبك الزهايمر، ويمكنك بعد أن تنتهي من كلّ معارف الأرض أن تتزوّج شابة تعيد إليك صباك، بعد أن يكون الأولاد قد كبروا، وتوفيّت زوجتك بالسكري وضغط الدم أو الجلطة.
روضة السالمي، من مجموعة "أريكة الزوجية" ، تونس 15 ماي 2013